ـ 1 ـ
يا وَطَنَ إنسانيتي!
ابراهيم مالك *
(هذه القصيدة ـ يا وطن إنسانِيَّتي ـ كتبتها في الأسبوع الأوًّلِ من شهر كانون ثانٍ 2018 والتي آمل أن أرى فيها جزءً من قصيدتي الطويلة التي آمل أن أبوحَ بقصائد أخرى، إذا طال عمري قليلا، والتي سأجد فيها بعض خلاصة تجربتي في كتابة الشعر وستكون جزءًا من مسار حياتي، عقلا وتفكيرا، وهو المسار الأساس، وهذه القصيدة بوح أمل.
وقصيدة فينيق الجديدة الثانية كتبْتُها في أواخر شباط 2018 وهي أشبه بحوار آخر مع ذاتي القلقة التي ازداد قلقها ووجعها مِمّا نحن فيه وازدَدْتُ اقْتِناعًا: لن يتغير هذا الوضع ما لم ننتفض على احتراقنا الذّاتي ونبدأ محاولة الإفلات من رمادنا وبدء الانطلاق، فكرا وعملًا، بحثًا عن عيش كريم ودائم التجدد، بعد هاتين القصيدتين سأحرص ألاّ أعود إلى كتابة الشعر، إلّا فيما ندر وصعُبَ، كيلا أكرِّرَ نفسي في هذا الجيل الشائخ، كما كتبتُ ذات مرَّة، حين بدأت أول عامي الخامس والسبعين قبل عامين، وسأكون سعيد حياة، إذا ما نجحتُ في كتابة الجزأين الثاني والثالث من عملي النثري الجديد وطال عمري قليلًا ).
ـ 1 ـ
يا وطن إنسانيَّتي ما أبدَعكَ وأروعَكَ!
حين تُعَلِّمُني، فتسعدَني وأظَلَّ طِفْلًا شائخًا
يداوِمُ الجُلوسَ مُفتَرِشًا حَصيرَتَكَ الْمُتْرَبَة
أصغي بعَقلٍ واعٍ لهَمسات كَلِماتِ مُعلًّمي الغردة،
أستاذِ مَدرَسَتي الأوَّلِ والدَّائمِ،
مَدرَسَةِ التَّجْرِبَةِ الحياتِية،
فَيَشْتعِلُ عقلي وتتسِعُ مَعرِفتي وأفرَحُ بما عَلَّمَتْني
مَدْرَسَتُكَ يا وَطَنَ إنسانيَّتي
وقَدْ عَلَّمَتني بالقلم وأرشدتني بالكتاب
أنّ القلمَ أوسع وأصْدَق تعليما ومعرفة
من سيف صديقي " أبو تَمام " وصحبه،
وأن لا حياة جديرة بالحياة
ما بقي سيفٌ مُهَيْمِنًا!
فرُحْتُ أنْشِدُ مُنْدَهِشًا بما تعَلَّمَ أخٌ ذات زمن قريب
أنَّ العشقَ هُوَ الحياة
والحياة لن تكون ولن تَتَجَدَّد ما لم تكُنْ
في مسارِها الَّذي لا يعرف بداية أو نهاية،
ما لم تَكُنْ حياةَ كرامَةٍ وحرية
ولم تعِ ما صرَخَ صاحبُ إنسانِيَّتي ذاتَ زمن
" ليسَ بالخُبزِ وَحْدَهُ يحيا الإنسان "
والعِشقُ لن يكون ولن تكون حياة
ما لم يبدَأ الإنسانُ يَعشَقُ ذاتَهُ الأخرى
ويعْشَقُ إنسانه الآخَرَ، فيعشقَ ذاته
ويبدأ تواصله الإنْسانيِّ راقِصًا ومُغرِّدًا
كالطيور المُهاجِرة عاشَقَةِ التحليق ودائمة الغناء.
وكم وددتُ لحظتها لو أظَلُ أنْشِدُ صارِخًا:
يَجْملُ بكِ يا إنسانِيَّتي المُلَوَّنة كَزُهورِ عالمنا
أن تتعَلَّمي من طيور غاباتنا دائمة الهجرة والغناء الغَرِد
فلا تعْرِفُ حياتُك وَجَعَ، قَسْوَةَ،عُنْفَ وغَباءَ
حُدودِكِ الحديدية كثيرة الرَّمادِ الذّاتي،
رمادِ من استحالوا عبيدُك المَقهورون ـ
أكثر ناسِ عالَمِنا ـ
ورمادِ من حسبوا أنفسهم " الأحرار " الغزاة.
ـ 2 ـ
فينيق يا ابن أمّي
" فينيق... هذه القصيدة كتبتها وكنتُ بدأتُ استيحاءها من مقالة رائعة للكاتب الشاعر والمفكّر اللبناني ميخائيل نعيمة، يتحدَّثُ فيها عن الأسطورة مؤكِّدًا أنها
" حِكْمَةُ حياة ".
فينيق يا ابن أمّي!
يا مُلْهِمي ويا وليد حكمة حياة
كم ازدَدْتُ انبهارًا فَرِحًا وحالِمًا
كُلَّما أصغيتُ لِما حكاه رواةُ عَمَلِكِ وَعَقلك
و قرأتُ ما كتب كَتَبَتُك الأقدَمون،
فَشُبِّهَ لي أنهم كتبوا سطور حكمة حياة
وحُلُمِ إنسانيتي بادئة التفَكير
وبادئة البحث عن تواصل أناسِها المُلَوَّنين ـ المُلَوَّنات
للعيش مَعًا في عُشٍّ أرضيٍّ،
هو اجمل ما نَوَد ونهنأ بعيشه الآمِن،
وقد رأيتك اكثرَ مِن مَرَّةٍ في عُمُري القصير
الأشبه بلحظة انفلاتٍ من عتمة رحم
رايتك سابحًا في نور بحرِيَ الكنعاني
مُنْفَلِتًا من بين كَفَّي أبيك الإله أطلس
الساكن فوقَ قممٍ تحرِصُ على الجمع
بينَ الشمال والجنوب، وبين الشرقِ والغرب،
رأيتك آتِيًا لِتَسْتَحِمَّ بِذَوْبِ ماء الشاطئ الشرقي
قبل رَحيلك الواعد الى محراب صلاةٍ في وادي النيل
لتبدا حالة الاشتعال
وتنتفض على كُلِّ ما حولك وبينك من رماد احتراقٍ ذاتي
وما تراكم من رماد حرقٍ اجَّجَهُ غزاة قاهرون،
فتبدأ بعدها التَّجَدُّدَ الحياتي وتبدا التَّحليق من جديد
بحثا عن أفُقٍ منفتح على أكثر من أفق
وعمّا يَجْمُلُ بإنساننا أن يصير!
يا طائري، فريدَ الحُلُمِ، العَمَلِ والعقل
كم تمَنَّيْتُ أن أصيرك ذات زمن قادم ذات لحظة
فأبدأ الانتفاض على ما حولي من رماد احتراقٍ ذاتي
وأدرانِ ذاتي
وعلى كُلِّ رمادٍ أبقاه غزاة
" عولَموا " جشعَ عالمنا، عُنْفَهُم ومُنْحَدَراتِ مَصير!



