الشارع
شارع حارتنا دائم المطر...
في الصيف تمطرنا الشمس حرا ونارا، ويمطر شارعنا غبارا يعمي العيون وينبت جمرا.
وفي الشتاء تمطرنا السماء خيرا وبركة ويمطر شارعنا رذاذا قذرا وينبت وحلا وطينا ومستنقعات.
ونحن أيها السادة –سكان الحارة- نمطر بعضنا البعض تهما مذيلة بالشتائم والإهانات وحتى لا يعتب أحد علينا نمطر شارعنا سَبا ولعنة... فيضحك الشارع ويقهقه حتى نقلب على قفاه غير مهتم بطول ألسنتنا ولا بقاموس شتائمنا الذي نحارب به العالم بأسره.
عفوا، أيها السادة الكرام...
شارعنا له تاريخ عريق وعليه فإنه يرفض أن نمر به مرور الكرام.. يرفض مثل هذا السلوك ويعتبره إهانة يستحق فاعلها العقاب... وشارعنا يحب أن يؤكد للجميع.. للقريب وللبعيد.. بأنه السبب في وجود الحارة وجودا ماديا.. الشارع هو السبب والحارة هي النتيجة.. وهناك من يعتقد بأن نبع الماء الذي وجدته شركة المياه في المنطقة هو السبب.
نبع الماء هو السبب... الشارع هو السبب...ويدور نقاش طويل النفس لا يعرف اللقاء..
ولكن ما هو سبب وجود الشارع؟...
السؤال منطقي جدا.. تدور الرؤوس لتبحث عن الجواب الصحيح.. تحترق آلاف السجائر بين أصابع الرجال... تحدق العيون مبحلقة في الأفق البعيد وبين أرجل الجالسين.. تمسح الأيدي عرق الجباه وتحك الرؤوس المفكرة... يصبح للتفكير رائحة نشمها وجو نعيشه.
"سيارات الحجارة ".. قالها ولد صغير وضعيف البنية.. ممزق الثياب.. ولكنه جريء النظرة. يقضم "بسكوته" غالية الثمن لأنها من دكان الحارة الوحيد.
نظر الجميع إليه نظرات فيها من البلاهة والغباء أكثر مما فيها من العمق والشكر.
هكذا إذن.. حجارة الجبل الذي يرقد خلف الحارة أعجبت أحد الأثرياء الغرباء.. لأنها تخبئ تحتها ذهبا.. شق شارعا بين الجبل والشارع الرئيسي لكي تمر عليه سيارات نقل الحجارة الضخمة.. التي لا يؤثر على صحتها كون الشارع معبدا أو غير معبد.. مستويا أو مليئا بالحفر.. وأخذ هذا الثري الغريب حجارة الجبل.
وماء النبع أخذه الغير.. لم يستفد السكان منه.. رغم أن أكثرهم يعيش على الزراعة المروية بماء النبع الذي يزداد ثمنه بسرعة جنونية.. مثله مثل الحجارة التي يتضاعف ثمنها أيضا.
الحجارة التي تخبئ ذهبا تحتها ذهب ربحها المتضاعف للغير... لماذا لم تذهب نسبة صغيرة من الربح الكثير لتعبيد الشارع مثلا؟
(ملاحظة هامة: يصح – أيها السادة – أن نطرح السؤال نفسه عن ربح ماء النبع.. إلا أننا نؤجل ذلك حاليا إلى وقت لا ريب آت، وشكرا. انتهت الملاحظة)
مر السؤال كالسهم.. حرك سكان الحارة رؤوسهم تحاشيا من الاصطدام به.َ من السائل؟.. أنت أيها الضيف الجديد.. ننصحك بعدم إثارته مرة ثانية.. هذه سياسة وهذا سؤال قد يؤدي إلى حرب أهلية وقد تتطور إلى حرب عالمية.. لا تكن مشاغبا.. اِهدأ وسر مع التيار.. لا تحاول أن تفهم... لا تفتح العيون على مثل هذه الأمور..
يا ناس؟؟ يا عالم.. أنا لا أريد إلا معرفة الحقيقة المجردة لا أريد أن أزيف تاريخ الشارع العريق.. لأننا كلما ازددنا في تزييفه كلما ازدادت سخريته منا واستمر في تحديه لنا... يشاركه في ذلك فصلا: الصيف والشتاء.. وأثرياء الحجارة والماء.
ويأتي الصيف بجحيمه الذي يفرضه على الحارة.. والشمس تمطرنا لهيبا ونارا يطبخ طناجر الرؤوس فتصاب بالطنين والدوار.. حصى الشارع كأنها الجمر.. (حمدا لله- أننا كبرنا ولم نعد نسير حفاة).
الجو حار وخانق وجاف.. وكأنه الفرن، النسمة الرطبة غاية ما يتمناه أي منا.. نفتح فمنا فيدخل هواء حار وجاف، فنمنع أنفسنا من التنفس العميق.. الجسم يتصبب عرقا.. تلحس بلسانك الشفتين وأطراف الفم فتذوق طعم الملوحة.. تقبل حبيبتك فتحس طعم الملوحة وعند العنق تشرب ماء البحر..
الملابس تلتصق بالجسم رطبة لزجة معذبة وشديدة المضايقة.
في الصيف حيث يغتسل كل منا بمطر جسمه حيث تصبح المضاجعة لذة مالحة حيث يصاب الجسم بالخمول التام.. نهرب إلى الأماكن الرطبة.. إلى الظل.. إلى الماء.
نلعن الصيف ونتمنى الشتاء ونلعن الشارع أيضا لأنه يشارك الصيف في مضايقته.. والشارع يلعننا بكل تحد مادا لسانه لنا متمنيا لنا الموت؟؟ ومستمرا في مضايقاته فالبيوت الممتدة على جانبيه تبقى مغلقة الشبابيك وموصدة الأبواب. خوفا من دخول الغبار الذي سيضيف هما قاسيا على النساء وكذلك لأنك تخاف أن تأكل والشباك المطل على الشارع مفتوح، فعندها سيمتلئ صحن الطعام بالغبار.. (وإياك أن تظنه بهارا...). أشجار التين حبلى بالحب الناضج لكنه ليس للأكل.. وإنما للموت البطيء بسبب الغبار.
وعندما تسير أية سيارة على الشارع فإنها تثير خلفها تلالا من الغبار تسير بأشكال دائرية كأمواج البحر وتغمر كل من يعترض طريقها.. أقول: يعترض طريقها لأن حق الأولوية هو لتلال الغبار.. وإن حدث وكنت سائرا على الشارع ولا غنى عن ذلك وسمعت صوت سيارة... فعليك أن تعمل بواحدة من الإرشادات التالية:
اهرب إلى أقرب بيت... أو قف وراء أقرب شجرة.. أو أعط زوبعة الغبار ظهرك وقفاك.. وغط وجهك بيديك واستغفر ربك.. ولا تنس أن تلعن نفسك والحارة والشارع والسيارة وصاحبها.
هذا ما تفعله سيارة، أية سيارة، فكيف الحال إذا هبت زوبعة فأثارت الغبار والأوراق لولبيا وكوّنت شكلا اسطوانيا فإنها عندئذ تغسلك غسلا.. وتلبسك لباسا.. ولك أن تستعين بخيالك لتتصور حالتك، وخاصة، إذا كنت خارجا لتوك من حمام ماء بار استعنت به على الطقس الجحيمي.
معذرة، (أيها السادة) الكرام – نسيت أن أخبركم أننا ننتعل أحذية ذات نعل عال لنتجنب دخول المسحوق الترابي المتراكم بكثافة على وجه الشارع.. إلا أنني اعترف بأن أذكانا هو المختار لأنه اختار اللون الأبيض لحذائه ولملابسه.. ويعجبني تعليقه بأن البناطيل الواسعة عند الحذاء تصلح لكنس الشارع رغم أنها في الواقع، تثير موجة غبار خفيفة مرافقة لطرف البنطلون... ولا يمكنني أن انسي تعليق جدتي على صبايا الفساتين الطويلة جدا –أي صبايا الماكسي- خجلا.. هذه الملابس لا تلائم شارعنا.
شارعنا هذا الذي يتحدى فينا كل شيء... اللعنة عليه وعلى فصل الصيف وهكذا لا نملك إلا اللعنة... نلعن الشارع ونصمت... ونلعن الصيف ونتمنى الشتاء.
ويأتي الشتاء... السماء تمطرنا خيرا وبركة ويغسل المطر الفضاء من الغبار فيصبح الجو نقيا كدموع الفجر... صافيا كوجه الماء، نشم رائحة الأرض الرائعة بعد المطر الشتائي الأول... إلا أننا سرعان ما نفيق من نشوتنا ونصحو على تمزق صدر السماء وهطول المطر بشدة وغزارة داقا الأرض برتابة لا يقطعها إلا صوت الرعد الذي يكاد يثقب طبلة الأذن ويخيف الصغار. يصبح لون السماء داكنا عبوسا.. تركض الغيوم الحبلى بالمطر مذعورة.. ويلمع البرق الذي يخطف البصر فاضحا لنا ما تخفيه عتمة الشتاء بخيوطه الضوئية التي تتشعب كالجذور ممزقة عباءة السماء السوداء.. والريح تئن.. تعوي كالذئاب الهرمة الجائعة؛ فتزيد من خوف الصغار.. وتضاعف من ذكر الرحمن.. تحطم كل ضعيف يعترضها.. تنشر في الأزقة والبيوت والفراش البرد القارس الذي يقص المسمار ويواصل المسيرة حتى يتسلل إلى عظامنا فيكاد أن يقصمها.. تصطك الأسنان... ترتجف الأجسام...ويتكوم الصغار تحت اللحاف ملتصقين بعضهم ببعض أو يتحلقون حول مصدر دفء سواء كان ذلك من موقد فحم تزغرد فيه النار أو مدفأة بترول أو كهرباء.
يتحلقون بصمت. لأن الجدة في هذه الأيام لا تعرف الكثير من قصص تراثنا الشعبي لتسلي به الصغار كما كانت العادة..
كيف ستكون الحال عندما تصبح صبايا هذا الجيل أمهات وجدات؟
نحارب مضايقات الشتاء المختلفة بوسائلنا المتعددة: بالملابس الشتوية وإغلاق الأبواب والشبابيك وصناعة الدفء ونبقى في البيوت المغلقة النوافذ والموصدة الأبواب.. نجتر الملل والرتابة.. ونكره هذا السجن الاختياري.. نفقد اللذة حتى في المضاجعة التي تعطينا دفئا إنسانيا نحارب به برد الشتاء...
نحاول أن نخرج من بيوتنا.. من سجوننا الاختيارية.. نحاول أن نتخلص من وحدتنا بزيارة جار أو صديق أو قريب، حيث يسكن بعضهم على الجانب الآخر من الشارع.
الشارع -أيها السادة – يقسم الحارة إلى قسمين.. وهذا القسمة ليست جغرافية فقط، وإنما هي تاريخية وثقافية واجتماعية وحتى سياسية أيضا..
ونبقى نترقب وقف هطل المطر لنخرج من بيوتنا.. ويتوقف المطر ونخرج بسرعة... وعندها - أيها السادة- نصطدم بالشارع...نعم، (أيها السادة) نصطدم بالشارع الذي حدثتكم عن سلوكه في فصل الصيف... فإذا به يمطرنا وحلا ورذاذا قذرا وينبت طينا وقذارة ومستنقعات.
والسير على الشارع أمر لا بد منه، كما أعلمتكم من قبل نسير عليه...نرفع أطراف البناطيل ونقفز بخفة الضفادع لنتجنب المستنقعات.. إلا أن ذلك لا ينقذنا تماما فلا بد من أن تتسخ الأحذية وأطراف البناطيل والفساتين... وأما وحل الشارع فإنه ينصب لنا أكثر من مصيدة للانزلاق....
يلتصق بالحذاء بالوحل ويبدأ بالغوص بكل هدوء... تحاول أن تتخلص بشد رجلك لانتزاع الحذاء، فإذا بك تقع على وحل الشارع ومستنقعاته... تقع على طولك أو على يديك؛ فتقوم واقفا وتلم نفسك... تنظر حولك لتتأكد من أن أحدا لم يرك ولم يشمت بك أحد...تتأفف.. تبصق وتلعن الشتاء والشارع والحارة ونفسك وبلدتك...
ويكون عليك أن تختار العودة إلى البيت أو الاستمرار، وكل اختيار صعب وسيء..
ورغم كل الحذر في السير إلا أنك لا تستطيع أن تتجنب المصيبة التي تحل بمرور سيارة... ترى السيارة آتية لا ريب فيها... تحاول أن تنفد تعليمات فصل الصيف –عليك أن تحفظها عن ظهر القلب وتتذكرها بسرعة (ولكنها لا تنقذك تماما) لأن عجلات السيارة التي تكاد تغيب في تجمعات المياه أو مستنقعات الشارع تثير هدوء الشارع فيضربك برذاذ مخلوط بالطين.. ولا بد للمصيبة أن تصيبك.. تنظر إلى ملابسك مبحلقا... تتمزق ألما... تبكي بصمت ويحتج فمك ويخرج منه سيل لا يعرف الانقطاع من الشتائم واللعنات على الشتاء والشارع والسيارة وأصحابها والحارة وعلى نفسك وبلدتك والعالم... وتسرع بالعودة ولا تتم الزيارة.
وهكذا نحن نلعن الشارع... وبالطبع لا ننسى أن نلعن الشتاء ونتمنى الصيف الذي لعناه من قبل.. وما أن يزورنا الصيف حتى نلعنه ونتمنى الشتاء.. وسنبقى كذلك، ما بقى الشارع على حالته هذه... نلعن ونتمنى.. نتمنى ونلعن.. والشارع يضحك منا ويقهقه حتى ينقلب على قفاه ساخرا منا ومادا إلينا أصبعه الثالثة.
كل مضايقات الصيف –أيها السادة- نستطيع أن نتجنبها إلا الشارع...
وكما نستطيع محاربة كل مضايقات الشتاء إلا الشارع... فإننا نقف أمامه نعترف بعجزنا.. ولا نملك إلا قاموس شتائمنا... سلاحنا الوحيد الذي نحارب به العالم...
شارعنا هذا يتحدانا وسيبقى كذلك.. ما دمنا غير قادرين أن نعطيه طعم الزفت من حياتنا ونأخذ منه طعم التحدي...
حكاية الجيران
جارنا- عزيزي القارئ- يحب الأرض كثيرا، ينهض مع أذان الفجر، يقيم الصلاة ويستغفر ربه ثم يمسك الفأس ويبدأ بعزق الأرض وتنظيفها من الأعشاب والحصى؛ تحضيرا للزرع.. ويقوم بِرَص الحجارة بعضها فوق بعض وبجانب بعض ليمنع التراب من الانجراف...
وجارنا يحرص على أن لا يترك موقع قدم إلا ويستفيد منه، حتى الصخور الكبيرة التي تكثر في أرضه يضع فوقها أوعيه كالصفائح مثلا، ويملأها بالتراب ويغرسها بفسائل الأشجار المثمرة المتنوعة ليبيعها عندما تنمو ويشتد ساقها.
أرض جارنا مغطاة بعريشه خضراء واحدة بسبب تشابك أغصان أشجار الزيتون واللوز والتين والأفوكادو والليمون والكرمة وغير ذلك مما لا يحضرني تذكره الآن.. نعم، عريشة واحدة، لدرجة أنك إذا حدث ووقفت تحتها فإنك لا ترى زرقة السماء جيدا وكذلك فإنك لا ترى وجه الأرض لأنها مغطاة بمشاتل البذورات والمزروعات والخضار والفسائل على اختلاف الأنواع.
نسيت (عزيزي القارئ) أن أخبرك بأنك لا ترى في أرضه أزهارا وورودا كالقرنفل والورد الجوري والياسمين وفم السمكة والشاب المستحي والفل وغيرها، فهي جميلة وتعطي رائحة ذكية وزكية وغذاء جماليا للعين وتترك أثرا طّيبا وعميقا في المشاعر والنفس، ولكنها تأخذ نصيبا من مساحة الأرض على حساب النباتات المثمرة؛ لأن الجمال لا يسكت زقزقة عصافير المعدة الجائعة ولا يملأ الجيب نقودا. وهذا التفسير نقلا عن لسان جارنا بدون زيادة ولا نقصان.
جارنا (وكما أخبرتكم منذ البداية) يحب الأرض جدا جدا ويحبها أكثر من زوجته وأولاده وجيرانه وصحته وأكثر من الجمال.. ومن شدّة حبه للأرض فهو لا يميّز بين أرضه وأرض جيرانه فهو يعرف كل ما يتعلق بالأرض.. نوع التربة والمزروعات الملائمة لها، وكيفية المحافظة على التراب، والاستفادة من الصخور وتحويلها إلى عوامل مساعدة للزراعة. ويعرف أيضا مواسم الزرع والقلع وأنواع الأمراض، لا بأسمائها الصعبة بل بتشخيصها، ويعرف الأدوية المناسبة لها.. ومتى ينفع تقليم الأشجار وأنواع التراكيب، وعائلات الأشجار.. يعرف هذا وأكثر منه بالممارسة والاستفادة من الخطأ والصواب.
ولكن دعوني أصارحكم (أيها السادة الكرام) وأكشف لكم عن أمر واحد يتعّلق بالأرض ولا يعرفه جارنا رغم أنه لا يقلّ أهمية عن باقي معلوماته. جارنا (والحمد لّله)... لا يترك صلاة إلا ويقيمها في وقتها، ولا تخفى عليه آية أو حديث أو قول مأثور أو حكاية تتعّلق بحسن الجوار إلا ويعرفها. وهو لا يجلس في ديوان إلا ويتحدث عن الحق وإحقاقه، لدرجه أنك لو سمعته لتمنيت أن تكون جاره لتنعم بأخلاقه وتستفيد من أقواله.
تأخذ قرارا بينك وبين نفسك بأن تجعله قاضيا وحكما بينك وبين غيرك في أية مشكلة في المستقبل-لا سمح الله-
جارنا يتقن بالإضافة إلى العمل الزراعي والسلوك الديني الظاهر مهنة الزحف... نعم الزحف على أراضي جيرانه... فهو يزحف ببطء ولكن باستمرار بدون يأس ودون رحمة.. ونفَسَه في الزحف طويل، لا يعرف الملل ولا التعب. هل عرفتم الأمر الذي لا يعرفه جارنا؟...
إنه يعرف كل أمر يتعلق بالأرض إلا حدودها، ألم أقل لكم إن جارنا من فرط حبه للأرض لا يميّز بين أرضه وأرض غيره.
لاحظتُ علاقة طردية بين اتساع قطعة أرضه وبين ازدياد ممارسته لطقوس الدين وطقطقة السُبحة، وكأن الدين عباءة يرتديها جارنا فيمزّقها في سلوكه ويحاول أن يصلحها ويرتقها بالطقوس. تتساءلون ولا شك (وهذا حقكم) عن ردود فعل الجيران، لماذا صمتوا؟ و... أليس الصمت علامة الرضا؟...
ماذا فعلوا لاتقاء شر هذا الجار ومنعه من الزحف المستمر؟
وأصارحكم القول...جاء جارنا إلى القرية فقيرا ومطاردا من بلده التي كان يعيش فيها، أشفق عليه الجميع، استقرّّ في قطعه أرض تتضارب الروايات حول كيفية حصوله عليها، سكان قريتنا دمثو الأخلاق.. طيبو القلب، يَكْرَمون بالغالي قبل الرخيص ويسكتون على الظلم ويسلّمون الأمور لله ولأولي الأمر منهم.
المهم (عزيزي القارئ) صمتوا محافظة على حسن الجوار الذي أوصت به جميع الديانات السماوية والأرضية والمبادئ الإنسانية. ولكن جارنا لم يفهم سكوتهم وصبرهم فهما صحيحا، بل اعتبره ضعفا جاء بسبب قوته وجبروته، وانتصاره عليهم في أكثر من مواجهة، فهو لا يحبهم ولا يرغب في وجودهم جيرانا له... وانطلاقا من هذه الحقيقة اعتمد على مكره الثعلبي وزرع التفرقة بينهم وأخذ يلّوح بالقوة دائما بل ويضرب بعضهم أحيانا ويزداد زحفه وتتّسع رقعة أرضه، حتى بات الجميع يعرف بزحفه وأطماعه وشهوته العدوانية فتباروا في إطلاق الألقاب عليه كالزاحف والشرير وأشعب الأراضي و..
ازداد قلق الجيران... خافوا على البقية الباقية من أرضهم، وحاروا فيما يفعلونه، فجارنا لا يخاف الله ولا الأنبياء ولا يعرفهما إلا في الكلام، ويعتقد بأن الأرض ملكه ويرفض مقولة " الإنسان ملك الأرض" جملة وتفصيلا، ويؤمن إيمانا أعمى بالمقولة "الغاية تبرر الوسيلة".
سأروي لكم ما حدث، وهذا على ذمة الراوي. (يا سادة يا كرام). عقد الجيران اجتماعا تلو الاجتماع، واعترف كل واحد بعجزة في مواجهة جارنا وحده.. سرد بعضهم عن محاولته الفاشلة في استرداد أرضه من جارنا.. برّرَ كل متحدث الكثير من أسباب فشله، وألقى الأسباب على غيره وعلى الظروف.
جارنا يستمد قوته من تفرقهم وعدم وحدتهم ومن ضعفهم (وهذا على ذمتي وليس على ذمة الراوي) وبعد سنين من الاجتماعات والمداولات والتحالفات الورقية وكتابة المئات من محاضر الجلسات، اتخذوا قرارا بمواجهته مجتمعين ومصارحته بحقيقة أمره.
سار الوفد إلى بيت جارنا، فوجدوه يستصلح أرضا ملكها بالزحف، وقالوا له بصوت واحد: الله لا يعطيك العافية..
صاح في وجهه الجار الأول: أذكر بدايتك، كنت تملك دونم أرض واحد فقط، نعم دونم ارض واحد فقط.. والآن أنت تملك أكثر من ثلاثة دونمات.. فمن أين لك هذا؟. أيها الثعلب.
صرخ الجار الثاني: كنت تغرس فسيلة شجر في أرضي، وعندما استفسر عنها، تقول بأنها عود... وبمرور الوقت، يبرعم العود وينمو ويزهر.. وعندها تدّعي بأنه في أرضك.. يا أشعب الأراضي.
وقال الجار الثالث: أنا ابن عمك.. لقد زحفت على أرضي ليلة بعد ليلة وموسما بعد موسم.. تقلب الحجارة وتدق الأوتاد وتهدد... ولم ترع حرمة القربى التي تربطنا منذ القدم.... يا ناكر الجميل.
وقال الجار الرابع والخامس والسادس.......... والعشرون... و...
وفجأة سمع الجميع ( أيها السادة الكرام) صوتا ضخما تكتنفه الرهبة، فحاولنا جميعا تحديد مصدر الصوت.. صمتنا ونظرنا بإمعان حولنا.. أُصبنا جميعا بالذهول واتّسعت محاجر العيون حين رأينا حجارة الطريق تهتز في أماكنها.. وعندها عرفنا بأن الصوت يخرج من بين حجارة الطريق ومن حصاها وترابها: أنا الطريق.. أنا الشارع... أنا في خدمة الجميع... أنا طريق السابلة.. أنا درب المصلين.. أنا الشارع... شارع السيارات وممر المشاة.. أنا مُلك الله وحده... وحده لا شريك له.. أنا الوقف.. أنا الوقف.. فكيف سمحت لنفسك أن تزحف علىّ.. تسرق من حرمتي.. ألا تخاف الله؟!.. وكيف سمحت لنفسك أن تدهن بالزفت وشحمة السيارات صخوري التي يقتعدها المارة للاستراحة؟.. كيف فعلت هذا؟ كيف لم تردعك صلاتك وصيامك وحجك البيت الحرام؟ ..
لن أسامحك أبدا؟.. وإني لأشكوك إلى الله، فهو شديد العقاب.
صمت الصوت وازدادت حجارة الطريق عنفا واهتزازا ويقال إنها انتفضت... طارت وضربت بيت جارنا وأشجاره ومزروعاته وخضاره... ولم أعرف كيف هجم الجيران عليه ومن جميع الجهات وأصيب جارنا بالدهشة والمفاجأة والصدمة.. فأخذ يدفع هذا ويدحره إلى الوراء فيتقدم ذاك فيركض جارنا نحوه ليدحره إلى الوراء فيتقدم الآخرون بمن فيهم الذين دحرهم من قبل.
واستمرت المعركة بين دحر واندفاع.. كر وفر.. تقدم واندحار.. هزيمة وانتصار.. إلى أن سقط جارنا على الأرض ضاربا إياها برجليه ويديه ورأسه صارخا كالمجنون " الرحمة.. الرحمة.. اتركوني لنتفاهم.. أعدكم بحسن الجوار.."
والغريب في الأمر (أيها السادة الكرام) أن الجيران استردوا حقّهم فقط وتوقفوا عند حدود أرضه ولم يتقدموا شبرا واحدا. دقوا الأوتاد وسيّجوا بالأسلاك الشائكة حدود الأراضي، ومنذ ذلك الوقت والبلدة تعيش في سلام وطمأنينة.. ويقال أنهم فيما بعد، أزالوا الأوتاد والأسلاك فيما بينهم.. ومنذ ذلك الحين تسود علاقات المحبة والتسامح والتفاهم والتعاون بين جميع الجيران.

