كانت تستيقظ كل يوم في الصباح الباكر وتهيء نفسها ثم تقود مركبتها إلى المشفى الذي
تعمل به، وحين تصل المرآب تركن مركبتها، وتذرع الطريق إلى قسم الأطفال ثم تباشر
كعادتها في علاج الاطفال الذين يعانون من إصابات خطيرة جدًا في أجسادهم، وتعمل
جاهدة لإنقاذهم من خطر الموت المحدق بهم. كان الأطفال يستقبلون الطبيبة بالبسمة وذلك
برغم آلامهم المزمنة، لأنها كانت تداعبهم وتطمئنهم بالشفاء، لذلك كانوا يستبشرون خيرًا
عندما تكون موجودةً معهم.
في أحد أيام الصباح الباكر نهضت الطبيبة من سريرها وحضَرت نفسها ثم دخلت إلى غُرف
أطفالها الذين كانوا يغطون في النوم حيث قبلتهم واطمأنت عليهم، ثم خرجت من البيت، وقادت
مركبتها ألى المشفى، وحين وصلت ركنت مركبتها في المرآب ودخلت إلى قسم الأطفال
وباشرت في علاجهم ومداعباتهم لإعادة البسمة إلى محياهم لكي يتناسون آلامهم لبعض
الوقت، وفجأة ً أتاها خبرٌ أن بيتها قصف بطائرات الأعداء، ودُمر على كل مَن كان
فيه. حين سمعت هذا الخبر خرجت من المشفى وعادت ألى بيتها، وعندما
راتها أختها الصيدلانية، استقبلتها بالصراخ والعويل وهي تقول لها والأسى يمزق أضلاعها
من هول المصيبة نحن نعمل ليلًا ونهارًا لإنقاذ الناس ليستمروا بممارسة حياتهم، وإيجاد ما
يسد رمقهم، في حين أن هؤلاء القتلة يعاقبوننا بالدمار، وبقتل كل المدنيين العُزل بلا رحمة،
ومنهم الأطفالُ والنساءُ والمسنون، ولا تُستخدم ضدهم القوانين الإنسانية المزعومة
لردعهم عن جرائمهم هذه، ومَن يسمون أنفسهم إخوانا لنا كأنهم جُثثٌ هامدةٌ لا يرون ولا يسمعون !!، وهنالك البعضُ منهم شركاءٌ في تمويل الأعداء لارتكاب هذه الجرائِم بحقنا.
تقدمت منها أختها الطبيبة برباطة جأش، وقالت لها هوِّني عليك يا أختاه، وتابعت إن أبنائي
شهداءٌ عند اللهِ سبحانه وتعالى، وإنهم يرزقون من رحمته، وأتمنى من الله تعالى أن يجمعني
بهم في مستقرِّ رحمته.
لقد شاهد أحدُ الرجالِ الموجودين رباطة جأش الطبيبة وسمع ما قالته لأختها، فقال لقد قرأنا
عن الخنساء الأولى حين استشهد أبناؤها الأربعةُ في معركة القادسية في العام السادس عشر
هجري (ألموافق 8-637 ميلادي) حيث قالت الحمد لله الذي شرفني الله بإستشهادهم
واني لأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته، وتابع الرجل فقال
نحن نشاهد ونسمع ما قالته الطبيبة خنساء العربِ الثانيةُ التي استشهد أبناؤها الثمانية وهي
تقول ما يطابق أقوال الخنساء الأولى، بحيث حمدت ربَها في استشهادِ أبنائها الثمانية وتمنت
أن يجمعَها اللهُ بهم في مستقر رحمته.
بعد ذلك تساءل الرجلُ في أعلى صوته، فقال هل تستطيعُ كلَّ آلاتِ الدمارِ والإبادةِ
أن تمنعَ الطبيبةَ (الخنساء الثانية) وكل شعبنا من الحياة ؟!! ثم أجاب على تساؤله، فقال
نحن نستحق الحياة مثل كل البشر، ولن تتمكن منا شريعة الغاب
قصص
إنهم يستحقون الحياة
بقلم: خالد خليل - كفر ياسيف

ملخص المقال
ترجمة المقال
اختر لغة أخرى للترجمة
