كشفت وسائل الاعلام الامريكية والعالمية يوم السبت 29 آب 2026 عن توصل ترامب الى صفقة مع النظام الحاكم الذي فرضته ادارته على فنزويلا، بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزجته سيليا فلوريس، يوم 3 كانون الثاني من العام الجاري. وتنص الصفقة على ان تصبح الولايات المتحدة أكبر مالك عقود في شركة نفطية مشتركة جديدة في 17 حقلا نفطيًا في فنزويلا ولمدة 100 عام!! وهذه الصفقة تمنح واشنطن، حسب صحيفة "واشنطن بوست"، السيطرة على مشاريع نفطية تشمل ربع احتياطيات النفط الفنزويلي!

وتكون حصة الحكومة الامريكية وليس الشركات الامريكية في الشركة الجديدة بين ملكية الأسهم وضمانات لشراء النفط المنتج بأسعار التكلفة.

ونشر البيت الأبيض، مذكرة معلومات سمّت شركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز" ("NABEP") المشغّل الواقع في قلب الترتيبات، وكشفت للمرة الأولى هيكل الملكية، وبيّنت ما الذي تحصل عليه واشنطن في المقابل.

وكانت السلطات الفنزويلية المؤقتة قد منحت شركة "NABEP" امتيازات لمدة 100 عام تشمل 17 حقلا، بموجب اتفاق وقّعه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث.

وأعلن ترامب، متحدثا بكل غطرسة وامتهان، من البيت البيض، إن هذه الاحتياطيات تمثل "قيمة لا تُصدَّق كانت راقدة بلا استغلال"! مضيفا أن الولايات المتحدة "ستأخذ كل ذلك. سنأخذ ذلك النفط ونستخرجه"!!

مقابل إدخالها في الصفقة، منحت شركة "NABEP" مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحربية الأميركية (البنتاغون) حصة ملكية نسبتها 35% في الشركة الأم، يقول البيت الأبيض إن قيمتها قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات من دون أي كلفة على دافعي الضرائب.

وتحصل وزارة الخارجية الأميركية أيضا على حق شراء 20% من الإنتاج في كل الحقول الحالية والمستقبلية التابعة لـ"NABEP" بسعر كلفة الإنتاج، وذلك بهدف إعادة ملء جزء من الاحتياطي البترولي الإستراتيجي، إضافة إلى حق الأفضلية في شراء الـ 80% المتبقية.

وتحتفظ واشنطن بحق الفيتو على تعيين أعضاء مجلس الإدارة، ويُشترط أن تكون غالبية المديرين من المواطنين الأميركيين، كما يخضع الاتفاق للقانون الأميركي وللقضاء الأميركي.

وتلتزم شركة "NABEP" باستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في البنية التحتية النفطية في فنزويلا، ومن المتوقع أن تدفع نحو 200 مليار دولار على شكل إتاوات وضرائب خلال 25 عاما.

وأكدت الرئيس بالوكالة الفنزويلية العميلة، ديلسي رودريغيرز، ابرام هذا الاتفاق الذي يمنح واشنطن على 65 مليار برميل نفط. زاعمةً ان ذلك سيدر 209 مليارات دولار من العائدات الضريبية! متجاهلة ان هذه الصفقة المشبوهة تلغى عمليًا تأميم النفط الفنزويلي الذي أعلنه القائد هوغو شافيز في العام 2007. ومتجاهلة أيضًا ان هذا الصفقة تتعارض مع دستور البلاد!!

وفي محاولة لطمأنة الشعب الفنزويلي، قالت رودريغيز إن "الهدف من الاتفاق هو أن تتحول الاحتياطات الهائلة التي يملكها بلدنا تحت الأرض من مجرد أرقام جامدة إلى مصدر للرفاه الاجتماعي والاقتصادي للشعب"!

وتباهى ترامب متبجحًا بإنه أبرم اتفاقية مع فنزويلا "هي أضخم صفقة نفط في تاريخ العالم"، مؤكدًا أنها ستؤمن حصول واشنطن على أكثر من 65 مليار برميل من النفط. أي ما يشكل نحو 20% من احتياطات فنزويلا النفطية. وكتب على منصة "تروث سوشيال": "هذه الصفقة التاريخية تزيد احتياطيات النفط الأمريكية بأكثر من الضعف، وترفع بشكل ملحوظ كمية النفط المتاحة لنا، وستخفض أسعار البنزين بشكل كبير لجميع الأمريكيين لسنوات قادمة"!! وزعم أن هذه الصفقة ستساهم أيضا في دفع فنزويلا نحو "نجاح هائل كبير وازدهار عظيم"، وستعزز بشكل كبير العلاقات المتنامية بين فنزويلا والولايات المتحدة!!

لكن ما لم يجاهر به ترامب هو محاولاته للاستحواذ على أكبر قدر من النفط للتحكم بأسواق النفط العالمية واستخدامه كورقة ضغط في المنافسة الاقتصادية خاصة في هذه الظروف بالذات، بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز وشل حركة الشحن فيه وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، في ظروف احتدام المنافسة الاقتصادية مع الصين. كما يسعى ترامب، من خلال هذه الصفقة طويلة الأجل، إلى إقصاء الصين وروسيا كليًا عن قطاع النفط الفنزويلي، بعد ان كان لهما استثمارات ونفوذ واسعان فيه خلال العقود الماضية (فنزويلا تملك أكبر احتياط نفط في العالم 300 مليار برميل).

النوايا الحقيقية لترامب

مما تقدم نجد التفسير الصحيح للمؤامرة الامريكية العدوانية على فنزويلا. ونفهم حقيقة دوافع هذا العدوان الهمجي على سيادة دولة مستقلة ترزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارات الامريكية عليها منذ العام 2007 بعد الأعلان عن تأميم نفط البلاد.

وهذا ما يجعلنا الجزم بان هذه المؤامرة حيكت ونفذت بالشراكة بين وكالة المخابرات المركزية الامريكية وإدارة ترامب وعناصر متآمرة داخل فنزويلا، بعد دراسة معمقة وتمحيص دقيق وطويل للواقع القائم هناك. وهذا ما سيكشفه المستقبل القريب. وأقول المستقبل القريب لان المؤامرة لم تنتهِ بعد. وان الرئيس مادورو وزجته ما زالا رهن الاعتقال في الويات المتحدة وسيقدمان الى المحكمة بتهم ملفقة. أضافة الى احتمال انكشاف حقيقة المتعاونين الفنزويليين مع هذه المؤامرة بسرعة أكبر. ويبدو ان على رأسهم الرئيس بالوكالة رودريغيرز – صديقة ترامب، الذي فضلها في هذا المنصب عن رئيسة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو - من اهدته ميدالة جائرة نوبل التي حصلت عليها في العام 2025. فغياب الاحتجاج الشعبي العام في فنزويلا على العدوان السافر على بلدهم، بعد اعتقال الرئيس المنتخب لولاية ثالثة بأكثرية الأصوات، يؤكد حقيقة مشاركة فنزويليين من داخل النظام في هذه المؤامرة. خاصة وان الشعب الفنزويلي مجند ومسيس واعتاد على الخروج في مظاهرات جماهرية حاشدة في شوارع العاصمة والمدن الفنزويلية بشكل يومي تقريبا وعلى مدار سنوات دفاعًا عن النظام الوطني وتصديًا للمؤامرات الامريكية ومؤامرات المعارضة الداخلية ففي 2002 نجحت المعارضة في تنفيذ انقلاب ضد شافيز لمدة 47 ساعة الا ان الجماهير الشعبية حاصرت القصر الرئاسي وافشلت الانقلاب.

وحقيقة أخرى تدعم هذا الرأي هي انه منذ تولي رودريغيز الرئاسة بالإنابة، تحولت العلاقة بين فنزويلا والولايات المتحدة من القطيعة التامة إلى شراكة متصاعدة، حيث اعادت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع فنزويلا وفتحت قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة الجديدة، وخففت من وطأة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على البلاد وسهلت الوصول إلى مراكز التمويل مقابل فرض سيطرتها على العائدات النفطية كأدوات للتأثير في صنع القرار.

على الرغم من دعم السلطة الانتقالية للصفقة بإدعاء جذب المزيد من الاستثمارات لتحديث الصناعة، إلا أنها على المستوى الشعبي تواجه رفضًا واسعًا من أنصار الحكومة السابقة وحتى من قوى المعارضة على حد سواء، اذ يعتبرون هذه الصفقة "قرصنة" وتنازلًا غير مسبوق عن سيادة البلاد وثرواتها.

وتظهر تعليقات الفنزويليين على مواقع التواصل أن هناك غالبية ساحقة من السكان متخوفة من هذه الصفقة، وترى فيها "ارتهانًا لمقدرات البلاد" لدى الأميركيين. وتمحورت الانتقادات على ضعف العوائد المتوقعة وفقدان السيادة الوطنية والتشكيك بشأن تدفق الاستثمارات الأميركية الموعودة.

واعتبر ريكاردو هاوسمان، الوزير الفنزويلي السابق والعضو المؤيد للمعارضة، أن الحكومة الانتقالية "غير شرعية" ولا تملك صلاحية إبرام اتفاق من هذا النوع، محذرًا من أنه سيكون "فشلًا" لجميع الأطراف.

ودعا الاقتصادي فرانسيسكو رودريغيز الجمعية الوطنية إلى رفض ما وصفه بـ"الصفقة الافتراسية"، قائلا إن تسليم الثروة النفطية الفنزويلية إلى الولايات المتحدة يتعارض مع الدستور ولا يخدم مصالح الشعب، خصوصا إذا تم تحت ضغط القوة.

ويرى غريغوري برو، مؤرخ الطاقة والمحلل في مجموعة أوراسيا، أن أي اتفاق يمنح الحكومة الأمريكية سيطرة فعلية على الموارد الفنزويلية سيواجه شكوكًا ورفضًا واسعين.

وشبّه برو الوضع بنظام الامتيازات النفطية الذي منح شركة النفط الأنجلو- فارسية نفوذًا واسعًا على موارد إيران والعراق في بدايات القرن العشرين، معتبرًا أن السيطرة على النفط تمنح واشنطن، في تصور إدارة ترامب، مصدرًا للطاقة يمكنها التحكم في الوصول إليه، مع إبعاد الصين وروسيا ومشترين محتملين آخرين.

أما الصحفية والناقدة للحكومة لوز ميلي رييس، فسخرت من فكرة التنازل عن ثروات البلاد ووصفتها تهكما بأنها "صفقة القرن"!

ويرى الكثير من المحللين في فنزويلا وغيرها من دول القارة ان مثل هذه التطورات تعكس سعي واشنطن المحموم تحويل فنزويلا الى محمية امريكية ضمن المساعي الامريكية لاستعادة هيمنة الامريكية على كامل دول القارة!!

كما أثارت الصفقة موجة غضب واسعة بين أوساط المعارضة الفنزويلية في الولايات المتحدة. ونقلت نيوزويك عن الخبير الاقتصادي والوزير الفنزويلي السابق، ريكاردو هاوسمان، قوله – موجها حديثه لروبيو (وزير الخارجية الامريكية) – عبر منصة إكس: "لقد فقدت أي ثقة كانت لدى الفنزويليين بك، وستطاردك هذه الخطوة.. لقد اخترت استخدام النفوذ الأمريكي لا لتحرير الفنزويليين، بل للنوم في فراش ظالمينا".

كما اعتبر السفير الأمريكي السابق لدى روسيا مايكل ماكفول أن "عقد صفقة مع رودريغيز لسرقة النفط الفنزويلي لصالح الأمريكيين أمر غير أخلاقي وغير عملي".

حتى وسائل الاعلام الغربية سخرت من عملية استيلاء لص البيت الابيض دونالد ترامب على نفط فنزويلا عندما أطلقت مسمى عقد ايجار لـ 100 عام للاستيلاء على نفط فنزويلا خاصة بعد ان اخذ ترامب يردد ان بلاده لاتخشى اقتصاديا من ازمة مضيق هرمز لان لديها الان من الاحتياطي النفطي الفنزويلي يكفيها ويجعلها تعوض ذلك وتتجاوز اية صعوبات في الحصول على مصادر الطاقة.

فقد افادت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لمراسلها المتخصص بشؤون امريكا اللاتينية ان ادارة ترامب تسعى الى عقد طويل الامد بشأن حقول ا لنفط في فنزويلا بعد ان اصبحت واشنطن صاحبة النفوذ الابرز إثر اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته في عملية قرصنة دولية بذريعة محاربة تجارة المخدرات لكن عين ترامب كانت مفتوحة على نفط فنزويلا ولا علاقة لذلك بتجارة المخدرات!!

ترامب يفشل في اقناع الشركات الامريكية

بعد ستة أيام فقط من عملية القرصنة واعتقال الرئيس الفنزويلي، جمع ترامب رؤساء الشركات النفطية الأميركية على طاولة واحدة في البيت الأبيض، في مسعى لتأمين 100 مليار دولار للاستثمار في الاحتياطات النفطية الفنزويلية الهائلة، وقال ترامب للتنفيذيين أمام الكاميرات، "لديكم الأمان الكامل، وستتعاملون معنا مباشرة، لا مع فنزويلا"، في محاولة لطمأنتهم بشأن الأخطار السياسية.

وحاول ترامب في هذا الاجتماع فرض سيطرة الحكومة الأميركية على النفط الفنزويلي عبر الملكية الخاصة من دون ضخ أموال حكومية، لكن ريبة التنفيذيين بشأن جدوى الاستثمار في بلد متأزم سياسيًا جعلت الشركات الأميركية تحجم عن الاستثمار، مما اضطره إلى بديل غير تقليدي وهو "البنتاغون".

ويبدو ان ترامب فشل في ازالة الأخطار القانونية والسياسية لدى هؤلاء التنفيذيين. فمن غير المستبعد ان تطعن حكومة فنزويلية مقبلة في شرعية الاتفاق، خصوصًا أن دستور البلاد للعام 1999 ينص على أن الاحتياطات النفطية ملك للجمهورية ولا يجوز بيعها. إضافة الى أن الحكومة الحالية غير المنتخبة لا تملك السلطة القانونية لمنح هذه الحقوق. يضاف الى ذلك تحذير خبراء قطاع الطاقة، بحسب تقرير "وواشنطن بوست"، من أن هذا الصفقة لن تحل أزمة أسعار الوقود على المدى القصير. فالحقول الفنزويلية متهالكة وتحتاج بنيتها التحتية والكهربائية إلى استثمارات ضخمة تُقدر بمليارات الدولارات وسنوات من العمل لإصلاحها، وهو ما قد يمتد لما بعد نهاية ولاية ترامب الرئاسية. كما تكلفة الاستخراج باهظة. فالنفط الفنزويلي ثقيل وتكلفة استخراجه وتكريره تعد من الأعلى عالميًا (تتراوح التقديرات بين 23 إلى 80 دولارًا للبرميل)، مما يجعل الجدوى الاقتصادية الفورية للشركات الأمريكية محل حذر وترقب.

كما أثارت الصفقة اعتراضات داخل الكونغرس، فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها عن السيناتور الديمقراطي جاك ريد، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، أن محاولة ترامب "تحويل الجيش الأمريكي إلى مستثمر في النفط الفنزويلي" تمثل "إساءة صارخة لاستغلال السلطة وأموال دافعي الضرائب"، مطالبا بالكشف عن الأساس القانوني للخطوة وشروطها المالية الكاملة.

وتشير نيويورك تايمز إلى تناقض آخر داخل الإدارة نفسها؛ إذ قال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن "مكتب رأس المال الاستراتيجي" التابع لوزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، الذي تأسس في عهد الرئيس جو بايدن عام 2022، بهدف معالجة نقاط الضعف في قاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية وتمويل شركات خاصة تعمل في مجالات إستراتيجية، "لا يستحوذ على حصص في شركات خاصة"، بينما أكد بيان للبيت الأبيض أن الصفقة تتضمن بالفعل حصول الحكومة على ضمانات يمكن تحويلها إلى ملكية في الشركة.

هذه هي القرصنة بحد ذاتها. هذه عودة الى الاستعمار. فما حصل في فنزويلا هو جريمة متكاملة الشروط. ومن ورائها مجرمون يجب ان تقديمهم للقضاء في عالم تسوده العدالة. ما حدث في فنزويلا من عدوان مجرم، وقد يحصل في دول أخرى ذات سيادية، يعيد الى الاذهان سياسة الغاب وكذلك السجل العدواني الأمريكي الذي يعجّ بالجرائم على مدار التاريخ، ابتداءً من حرب الإبادة ضد الهنود الحمر في القارة الأمريكية التي راح ضحيتها أكثر من مئة مليون انسان ووصولًا الى الاعتداءات العسكرية والحروب على 85 دولة في مختلف قارات العالم، وما أسفر عنه من سقوط قرابة مليون قتيل مدني ونزوح 38 مليون شخص وتدمير مدن وبنى تحتية واقتصاد في هذه الدول. عدا عن فرضها عقوبات اقتصادية جائرة وأحادية الجانب أكثر من أي بلد آخر في العالم، ولا تزال تفرض هذه العقوبات على أكثر من 20 دولة، الأمر الذي أدى إلى عجز المستهدفين عن توفير الغذاء والدواء الأساسيين لشعوبهم!!

وهذه القرصنة الامريكية تعيد الى الأذهان العدوان السافر على إيران -"عملية أجاكس" - في العام 1953 الذي نفذته وكالة المخابرات المركزية الامريكية لإسقاط حكومة محمد مصدق بعد ان أمم نفط البلاد واعادت الشاه محمد رضا بهلولي الى الحكم في البلاد لمدة 25 عاما. وكذلك العدوان على تشيلي وإسقاط نظام الرئيس التقدمي المنتخب سلفادور اليندي عبر انقلاب عسكري دموي في 11 أيلول 1973 قاده الجنرال الفاشي أوغستو بينوشيه بدعم مباشر وتخطيط من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية! وهنا لا بد من الاستشهاد بما قاله القائد الفنزويلي هوغو شافيز في مقابلة تلفزيونية في العام 2009 ردًا على سؤال: هل هناك احتمال لاندلاع حرب على فنزويلا؟ جواب: "الا ترين التهديد الذي تشكله علينا أمبراطورية الولايات المتحدة؟ سؤال: لماذا تعتقد ان الولايات المتحدة تريد مهاجمة فنزويلا؟ جواب: "سأخبرك بالسبب الأكثر أهمية هنا بالضبط هنا يوجد أكبر احتياطي نفط على هذا الكوكب، لدينا نفط يكفي لأكثر من مئة عام ونفط الولايات المتحدة على وشك النفاذ وهذا هو اهم سبب لرغبة الولايات المتحدة إقامة حكومة خاضعة لها هنا"!!

واستطردت المذيعة: أريد ان أطرح عليك سؤالا دون ان يزعجك، هل انت مهوس بالولايات المتحدة؟ جواب: "كلا على الاطلاق، انا فقط واقعي. انا أقوم بمسؤولياتي كرئيس دوولة، المهوسون الاخرون هم المتطرفون اليمينيون المجانين، الذين يظنون ان العالم لم يتغير وكذلك الطغم المالية في هذه القارة التي تسعى للهيمنة على هذه الشعوب".

"مثل هذا السؤال لا تستطيعي طرحه على آخرين لان أكثريتهم ماتوا، فجاكوبو اربنيز، رئيس غواتيمالا، عندما ولدت، مجرد انه أراد إصلاحًا زراعيًا غزته الولايات المتحدة واطاحت بنظامه"! وجواو جولارت البرازيلي (اخر رئيس يساري قبل تولي الدكتاتورية الحكم في البلاد لمدة أكثر من 20 سنة).

اطيح به من جانب الولايات المتحدة. يمكنك ان تسألي سلفادور اليندي الرئيس الشهيد. ويمكنك ان تسألي الجنرال عمر توريخوس الذي اغتالته السي. أي. ايه. (وهو من أصول سورية، قاد انقلاب عسكري عام 1968 على الديكتاتور بآرنولفو آرياس في بنما في امريكا الوسطى رغم انه لم يسمى رئيسا للجمهورية. نجح عمر، في وقت وجيز، من إعادة الاراضي الزراعية التي تملكها اقلية من الاقطاعيين والشركات الامريكية الى صغار الفلاحين، كما نجح في اعادة السيادة على قناة بنما بعدما هيمنت عليها الولايات المتحدة لعقود. حاولت امريكا اغرائه بالمال لكنه رفض الهيمنة الامريكية. فحاولت امريكا ضرب اقتصاد بلاده عبر البنك الدولي ولكنها فشلت فقامت المخابرات الامريكية بإغتياله عام 1981 بتفجير طائرته بعدما جندت حارسه الشخصي لأجل ذلك. ومثل هذه الجرائم شهدت مختلف قارات العالم الكثير.

منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا لم ينعم عالمنا بيوم واحدٍ من الامن والاستقرار بسبب سياسية الهيمنة والابتزاز الرأسمالية في سعيها المحموم وراء الربح. فالنظام الرأسمالي الذي كل هدفه تحقيق المزيد من الربح يقوم على المنافسة العنيفة، داخليًا، بين الطبقات الاجتماعية، وخارجيًا، مع الشعوب الأقل نفوذًا وتقدمًا اقتصاديًا. ويسعى الى التغلب على أزماته الدورية، من خلال شن الحروب. وهذه النزعة العدوانية تتجلى اليوم بأبشع صورها وتمسي أكثر الحاحًا في ظل اتساع العولمة والثورة المعلوماتية وبداية انهيار نظام القطب الواحد واتساع الكساد وتضخم المديونية.

ففي الولايات المتحدة تزيد حصة كل مواطن امريكي من الدين العام عن 100 ألف دولار، في الوقت الذي يصل نصيب الفرد الامريكي من الإنفاق العسكري الى 804 آلاف دولار!! وهذا يعني ان الانفاق العسكري الأمريكي بمجمله وتكاليف الحروب الباهظة التي تخوضها واشنطن تغطى عن طريق الاستدانة!

يقول ماركس "ما يرعب الرأسمال هو غياب الربح.. فعندما يشم ربحًا معقولًا، يصبح الرأسمال مبتهجًا، وعند نسبة 20% يصبح جريئًا، وعند نسبة 50% يصبح مغامرًا وعند نسبة 100% يسحق برجليه كل الشرائع الانسانية، وعند نسبة 300%، فانه لن يتراجع عن الاقدام على أية جريمة"!

اما لينين فأكد، قبل أكثر من قرن من الزمن: "اننا ندرك الصلة الحتمية بين الحروب والنضال الطبقي، وندرك انه يستحيل القضاء على الحروب دون القضاء على الطبقات ودون بناء الاشتراكية".

لا لشريعة الغاب والبلطجة

خطورة الأوضاع السائدة عالميا حملت نائب رئيس الوزراء الصيني هي لي فنغ دق ناقوس الخطر في منتدى "دافوس" 2026 والتأكيد ان "بلاده تدافع عن التعددية وتعارض العودة إلى شريعة الغاب في العلاقات الدولية".

وحذر من أنه "في ظل توترات دولية وتجارية لا ينبغي لعدد قليل من الدول ذات الامتيازات أن تستفيد من مزايا قائمة فحسب على مصالحها، ولا يمكن للعالم أن يعود إلى شريعة الغاب حيث يهاجم الأقوياء الضعفاء"

اما تقرير المنتدى الاقتصادي في دافوس فلا يقدّم العالم كمنظومة أزمات منفصلة، بل كشبكة أخطار متداخلة، يتغذّى كل منها على الآخر، في لحظة تاريخية تتراجع فيها القدرة على التعاون الدولي، ويصعد منطق المنافسة والصدام. ويشير الى صعود المواجهة الجيو-اقتصادية إلى صدارة الأخطار قصيرة الأجل، فلم تعد الرسوم الجمركية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، ورؤوس الأموال أدوات نمو، بل تحوّلت إلى أسلحة ضغط متبادل بين القوى الكبرى. وهذا التحول يهدد بإعادة تشكيل التجارة العالمية، ويفتح الباب أمام تباطؤ اقتصادي واسع، وزيادة كلفة التمويل، وارتفاع مستويات عدم اليقين أمام الشركات والحكومات".

ويرصد التقرير قفزة لافتة في وزن الأخطار المالية، مع تزايد القلق من ركود محتمل، وضغوط تضخمية مستمرة، وفقاعات أصول تغذّيها الديون المرتفعة وتقلب الأسواق. وأن هذه الأخطار لا تُقرأ بمعزل عن السياق الاجتماعي، إذ تتقاطع مع اللامساواة والاستقطاب المجتمعي، مما يحدّ من قدرة الحكومات على تمرير سياسات تصحيحية من دون كلفة اجتماعية مرتفعة.

اما مجموعة "أوراسيا" فصنفت في تقرير جديد لها، الولايات المتحدة باعتبارها "المصدر الرئيس للأخطار العالمية عام 2026"، ويعزو رئيس المجموعة، إيان بريمر، ذلك إلى الثقل الهائل للولايات المتحدة، معتبرًا أن أي تحولات داخلها تكون لها انعكاسات مضاعفة على العالم. ويضيف: الولايات المتحدة باتت أقل استعدادًا لقيادة النظام الدولي القائم على القيم والمؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وأقل ميلًا للقيام بدور "شرطي العالم" أو المدافع عن التجارة الحرة وسيادة القانون. يبدو ان الولايات المتحدة انتقلت بشكل مفضوح من لعب دور الشرطي العالمي الى لعب دور البلطجي وقُطّاع الطرق!

في أواخر تموز الماضي، ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن الولايات المتحدة حققت أكثر من 13 مليار دولار من مبيعات النفط الفنزويلي خلال عام 2026. وان ترامب واجه انتقادات حادة لأن الحكومة الأمريكية لم تحوّل سوى 300 مليون دولار فقط للحكومة الفنزويلية. وبرر ترامب بعنجهية مفرطة ذلك بأن واشنطن "محقّة في أخذ هذه الأموال" لتغطية مصالحها!

وتباهى ترامب بعجرفته المعهودة ودون خجل بالقول أن العائدات من نفط فنزويلا غطت تكاليف الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران "بنحو 25 ضعفا" (حيث بلغت تكاليف العمليات ضد إيران قرابة 29 مليار دولار)!

يبدو ان هزائم ترامب المتلاحقة في إيران: الفشل في اسقاط النظام والفشل في القضاء على المخزون النووي الإيراني والفشل في القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية وعجزه عن الدفاع عن قواعده العسكرية في المنطقة وعجزه عن حماية حلفائه العرب وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية من جراء ذلك وابتعاد حلفاؤه الأوروبيين عنه وتدني شعبية وشعبية حزبه وسط الأمريكيين الى الحضيض مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، هو ما حمله على الإسراع في إبرام هذه الصفقة المشبوهة مع فنزويلا بهدف التلويح بها كمكسب سياسي أمام الناخب الأمريكي، مع العلم ان مردود هذه الصفقة وفقا للمحللين لن يكون فوريًا بل بعد سنوات وكذلك أثرها على حفض أسعار النفط . وكل هذا سيكون مشروطًا بالموقف الشعبي العام في فنزويلا ومدى تقبل الشعب الفنزويلي ان تتحول البلاد، التي دافعت الأكثرية الساحقة من مواطنيها عن سيادتها وحرية قرارها، الى محمية أمريكية قد تكون بوابة لإعادة فرض الهيمنة الامريكية على كامل دول القارة. وبناء على التجربة، خلال العقود الماضية، فان الشعب الفنزويلي لن يسمح باستباحة سيادة بلده وحرية قراره وكذلك شعوب كل دول القارة. والشعب الفنزويلي هو فقط من يحدد مصيره ومستقبله.

معلومات عن فنزويلا

فنزويلا، رسميًا جمهورية فنزويلا البوليفارية، هي دولة تقع على الساحل الشمالي لقارة أمريكا الجنوبية.

يحيط بها البحر الكاريبي من الشمال، وتحدها غويانا من الشرق، والبرازيل من الجنوب، وكولومبيا من الغرب.

تبلغ مساحتها نحو 916,445 كيلومترًا مربعًا. تتميز بتنوع جغرافي فريد يجمع بين جبال الأنديز في الغرب، وغابات الأمازون، وشواطئ البحر الكاريبي الساحرة.

العاصمة: كراكاس، وهي المركز السياسي والثقافي وأكبر مدن البلاد.

عدد السكان: يقدر بنحو 28 مليون نسمة.

الإسبانية هي اللغة الرسمية والأصلية في البلاد.

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهي عضو مؤسس في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك".

النمو والناتج المحلي الإجمالي: تشير البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الفنزويلي (BCV) إلى أن الاقتصاد حقق نموًا بنسبة 7.14% في الربع الثاني من عام 2026، مدفوعًا بزيادة إنتاج النفط الذي وصل إلى حوالي 1.2 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا النمو يأتي بعد انكماش تاريخي عنيف أفقد الاقتصاد نحو 80% من قيمته بين عامي 2013 و2021.

البطالة 35.6%

التضخم والعملة: تباطأ التضخم الشهري بشكل ملحوظ ليسجل 8.9% في آب 2026 نزولًا من 19.9% في الشهر السابق. ورغم هذا التباطؤ، لا يزال التضخم السنوي (المتراكم) مرتفعًا جدًا ويتجاوز 207%.

دولرة الاقتصاد: أصبحت المعاملات التجارية واليومية تعتمد بشكل شبه كامل على الدولار الأمريكي كأداة حماية ضد الانهيار المستمر لقيمة العملة المحلية "البوليفار".

الدين العام والعقوبات: يكبّل الدين العام الخارجي الذي يتجاوز 160% إلى 180% من الناتج المحلي الإجمالي قدرة الدولة على الاقتراض، تزامنًا مع استمرار تأثير العقوبات الدولية التي تحد من التدفقات النقدية والاستثمارات الأجنبية الضخمة.

متوسط دخل الفرد قرابة 3آلاف دولار سنويا

مستويات الفقر: تظهر الدراسات والتقارير المستقلة أن حوالي 68.5% من الأسر الفنزويلية تعيش في حالة فقر، في حين تصل نسبة الفقر المدقع (العجز عن تأمين السلة الغذائية الأساسية) إلى ما يقارب 31.7% إلى 50% حسب تصنيفات الجهات الإنسانية.

الأمن الغذائي: يعاني قرابة 40% من السكان من انعدام الأمن الغذائي المتوسط إلى الشديد. وتضطر العديد من العائلات إلى تقليص حجم الوجبات أو الاعتماد على المساعدات الغذائية الحكومية المدعومة (مثل برامج CLAP) التي شهدت تراجعًا في كفاءة التوزيع.

الخدمات العامة والصحة: تعاني البنية التحتية للخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه الصالحة للشرب، والغاز) من تدهور شديد. وتواجه المستشفيات الحكومية نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية الطارئة بنسب تتراوح بين 28% إلى 36%، مما يدفع المواطنين للاعتماد على شبكات الدعم الخاصة أو التطبيب الذاتي.

أزمة الهجرة واللجوء: تعد أزمة اللجوء الفنزويلية الأكبر في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث؛ حيث هاجر واغترب ما يقرب من 8 ملايين فنزويلي خارج البلاد منذ عام 2015 بحثًا عن فرص عمل واستقرار معيشي، مما أدى إلى نزيف حاد في العمالة الماهرة والشبابية.

الحاجة للمساعدات الإنسانية: تُشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن هناك ما لا يقل عن 7.9 مليون شخص داخل فنزويلا بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية وتدخلات عاجلة في قطاعات الصحة والغذاء والمياه.

أبرز ما انجزه الرئيس هوغو تشافيز (1954–2013)

ترسيخ "الثورة البوليفارية" في فنزويلا كأحد أبرز رموز المقاومة ضد الاستعمار والهيمنة الأمريكية.

وصل إلى السلطة بانتخابات شعبية كاسحة عام 1998

أمم قطاع النفط وتوظيف عوائده في برامج اجتماعية ضخمة للتعليم والإسكان ومحاربة الفقر. وبالرغم من تعرضه لمحاولات انقلاب واغتيال مدعومة من الخارج نتيجة سياساته التحررية

تعديلاته دستورية عميقة.

نجح في تعزيز سيادة بلاده ووضعها في صدارة مؤشرات الرفاه الإقليمي

دافع عن تكامل أمريكا اللاتينية بعيدا عن التدخلات الدولية.

نيكولاس مادورو 2026 – 2013

حافظ على ارث شافيز

قاد فنزويلا في ظل اضطرابات اقتصادية حادة، وانقسام سياسي داخلي، وعزلة دولية، وسط صدام دائم مع واشنطن التي صنفته عام 2025 مع حكومته "منظمة إرهابية أجنبية"، واتهمت كاراكاس باستخدام عائدات النفط في أنشطة غير مشروعة.

مشروع الإسكان الكبير) تُعد الرعاية السكنية الإنجاز الأبرز للحكومة؛ حيث أعلنت تسليم ملايين الوحدات السكنية المدعومة بالكامل للعائلات ذوي الدخل المحدود في مختلف الولايات.

بطاقة الوطن وسلال الغذاء: إنشاء نظام توزيع الغذاء المدعوم المباشر للأسر الفنزويلية لمواجهة نقص السلع، وتفعيل "بطاقة الوطن" لتقديم الإعانات المالية والخدمات الطبية المباشرة.

الصمود السياسي والدبلوماسي في مواجهة العقوبات الدولية: يرى أنصاره أن أكبر إنجازاته هو الحفاظ على استقرار الدولة وبقاء نظام الحكم رغم العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية المشددة والمحاولات المتكررة للإطاحة به.

تعزيز التحالفات الدولية: نجاحه في بناء شراكات استراتيجية متينة مع قوى دولية كبرى مثل الصين، روسيا، وإيران، مما ساعد بلاده على تخطي الحصار النفطي والمالي.

السيطرة على التضخم المفرط: بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، تمكنت الحكومة عبر سياسات مرنة (مثل السماح غير الرسمي بالتداول بالدولار وتقليص الإنفاق) من إنهاء موجة التضخم الجامح وتحقيق استقرار نسبي في أسعار السلع.

نمو اقتصادي تدريجي: تسجيل معدلات نمو إيجابية في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة بعد فترات طويلة من الانكماش، مع التركيز على تحفيز الإنتاج الزراعي المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات.

ويُنظر إلى الرئيس الفنزويلي بوصفه أحد أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في أميركا اللاتينية، لا بسبب مساره غير التقليدي من سائق حافلة إلى رأس السلطة في قصر ميرافلوريس فحسب، بل أيضًا لدوره المحوري في واحدة من أكثر المواجهات حدة بين دولة في الجنوب العالمي والولايات المتحدة في العصر الحديث.