فِي زِحَامَاتِ الْحَدَاثَةِ الشِّعْريَّةِ وَطَيَّاتِهَا، تَتْرُكُ الشَّاعِرةُ آمَال عَوَّاد رضْوَان بَصْمَتَهَا لِتَقُولَ: أَنَا هُنَا مَا زِلْتُ أَتَنَفَّسُ الْحَرْفَ، وَأَنْسِجُ الشِّعْرَ، وَمِنْ هذَا الْمُنْطَلَقِ كَانَتْ أَسْئِلَتُنَا:
س1: الشِّعْرُ وَسِيلَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ بِخَلْقِ الْجَمَالِ، وَالْكَشْفِ عَنِ المَنَاطِقِ الْمَسْكُوت عَنْهُا، فَمَاذَا تَقُولُ الشَّاعِرةُ آمَال؟
- الشِّعْرُ هُوَ كَوْنُ جَمَالٍ خَلَّاقٌ، يَنْبُعُ مِنْ جَمَالِ الْقَلْبِ، يَلْبَسُ دَهْشَتَهُ الْأُولَى، وَيَخْتَالُ حَافِيًا إِلَّا مِنْ قَلْبِهِ، وَالدَّرْبُ إِلَيْهِ وَعِرَةٌ مُعْتِمَةٌ، إِنْ فَقَدَ الشَّاعِر سَمَاءَهُ وَمَرَايَا الْغَيْمِ.
- الشِّعْرُ تَجْرِبَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ صَادِقَةٌ عَمِيقَة، غَنِيَّةٌ بِإِبْدَاعٍ جَمَالِيٍّ بِامْتِيَازٍ، إِذْ تُحَوِّلُ الْمَشَاعِرَ الْخَامَ إِلَى نُورٍ، حِينَ يَنْفُضُ الشَّاعِر الْغُبَارَ عَنْ عَوَاطِفِهِ، يُلَمِّعُهَا، يُهَذِّبُهَا، لِتَتَوَهَّجَ، وَيُعِيدُ تَشْكِيلَ الْعَالَمِ، وَيُسَرْبِلُ الْأَفْكَارَ بِأَثْوَابٍ مُطَرَّزَةٍ بالْإِيحَاءِ مِنْ: لُغَةٍ تَنْبِضُ بِإِحْسَاسٍ نَقِيٍّ عَمِيق، فَيَخْلَعُ عَنْ أَحَاسِيسِهِ ضَبَابِيَّتَهَا وَغُمُوضَهَا، وَيَكْشِفُ أَبْعَادَ مَا يَخْفَى وَرَاءَ الْوَاقِع الْمَأْلُوفِ وَالْعَابِرِ، مِنْ صَفَاءٍ رُوحِيٍّ وَنُورِ تَأَمُّلٍ!
- الشِّعْرُ نُورٌ مُصَاغٌ أَعْمَقُ مِنَ الْعَيْنِ، نُورٌ مَلْمُوسٌ يُشَكِّلُ دَائِرَةً كَهْرَبِيَّةً مُغْلَقَةً، تُنِيرُ الْوُجُودَ مِنْ عَتْمٍ، بِمِسْحَةٍ مِنْ ضَوْءٍ جَمَالِيٍّ سَاطِعٍ لَا يَخْفُتُ وَلَا يَأْفُلُ، وَيَغْسِلُ الْعَالَمَ مِنْ ضَجِيجِهِ وَمِنْ ضَوْضَائِهِ!
- الشِّعْرُ هُوَ ظِلُّ الْمَعْنَى، يُومِئُ بِالْإِشَارَةِ لَا بِالْعِبَارَةِ، يُوحِي بِالضَّوْءِ وَلَا يُعْمِي بِهِ، يُلَمِّحُ وَلَا يُمَلِّحُ، لِيَظَلَّ الْقَلْبُ مُشَارِكًا فِي الِاكْتِمَالِ، شَاسِعًا فِي صَفَائِهِ، يَشْتَمُّ رَائِحَةَ ظِلَالِ الْمَعْنَى!
- الشِّعْرُ مُعْجِزَةٌ خَلَّاقَةٌ، تُجَاوِرُ أَسْرَارَ الرُّوحِ، كَوَسِيلَةِ تَعْبِيرٍ إِنْسَانِيَّةٍ، لِلْكَشْفِ عَنِ المَسْكُوتِ عَنْهُ، فَالشِّعْرُ يَفْتَحُ كُوَّةً ضَوْئِيَّةً فِي عَتْمِ رُوحِ الشَّاعِر، يُزِيحُ السَّتَائِرَ بِرِفْقٍ، لِيَكْشِفَ فَوْضَى عَوَاطِفِهِ وَمَشَاعِرِهِ، وَيُعِيدَ تَرْتِيبَهَا وَتَنْظِيمَ رُفُوفِهَا، فَيُخَلِّصُ الصَّمتَ مِنْ أَعْبَائِهِ، وَيُؤَسْطِرُ الْأَحْيَاءَ، وَيُؤَنْسِنُ الْجَمَادَاتِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِلرُّجُوعِ إِلَى الْخَلْقِ الْأَوَّلِ!
- الشِّعْرُ يُوقِظُ الْكَوْنَ مِنْ سُبَاتِهِ، فَيَمْتَلِئُ الْكَوْنُ حُضُورًا وَنُورًا، يَشْحَنُهُ بِأَحَاسِيسَ مُتَوَلِّدَةً وَمُوَلِّدَةً لإِبْدَاعِ جَمَالٍ مُؤَثِّرٍ وَمُلْهِمٍ، مِنْ خِلَالِ تَنَاغُمِ أَلْحَانٍ أَخَّاذَةٍ دُونَ نَشَازٍ، إِذْ يَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الشَّجَنِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَالدَّهْشَةِ وَالْمُتْعَةِ فِي آنٍ، بِانْسِيَابٍ لُغَوِيٍّ شَفَّافٍ مُوحٍ، وَبِإِيقَاعَاتٍ تُلَامِسُ الْأُذُنَ وَالرُّوحَ، وَبِزَخَمِ صُوَرٍ بَلَاغِيَّةٍ بِكْرٍ غَيْرُ مَطْرُوقَةٍ وَلَا مَسْبُوقَةٍ!
- الشِّعْرُ هُوَ مِرْآةُ الشَّاعِر الصَّافِيَةُ الْمُشِعَّةُ، يَرَى فِيهَا قَلْبَهُ، يَكْتُبُ مِنْ دَاخِلِهَا وَمِنْ عُمْقِهَا صُوَرًا ضَوْئِيَّةً وَرُوحِيَّةً!
- الشِّعْرُ هُوَ الشَّاعِر، وَحُضُورٌ يُضِيءُ الْعَتْمَ، يَدْخُلُ الْقَلْبَ وَيَبْقَى فِيهِ، حِينَ يُغْلِقُ الْعَالَمَ خَلْفَهُ الْبَابَ، وَيَبْقَى فِينَا بَعْدَ أَنْ نَصْمُتَ!
س2: هَايْدْغِر فِي فَلْسَفَتِهِ، يَرَى بِأَنَّ اللُّغَة كَائِنٌ حَيٌّ، وَالشِّعْرَ قُوَّةٌ تَسْتَطِيعُ تَغْيِير شَكْلِ الْوُجُودِ، فَمَا الَّذِي أَضَافَتْهُ الْقَصِيدَةُ الْجَدِيدة؟
إِنَّ الْقَصِيدَةَ الْجَدِيدَةَ مِنْ شِعْرٍ نَثْرِيٍّ، وُجُودِيٍّ، صُوفِيّ وَحَدَاثِيٍّ، لَا تَشْرَحُ وَلَا تُفَسِّرُ فَلْسَفَةَ الْفَيْلَسُوفِ الْأَلْمَانِيِّ هَايْدْغِر حَوْلَ اللُّغَةِ والشِّعْرِ، إِنَّمَا تُوَسِّعُهَا وَتَدْفَعُهَا إِلَى الْأَبْعَدِ صَوْبَ التَّجْرِبَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
فَاللُّغَةُ عِنْدَ هَايْدْغِر لَيْسَتْ أَدَاةً جَامِدَةً، بَلْ كَائِنٌ حَيٌّ تَتَنَفَّسُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَتَطَوَّرُ مَعَ الزَّمَنِ، فَاللُّغَةُ بَيْتُ الْوُجُودِ وَالْفَضَاءُ الّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ الْعَالَمُ لِلإِنْسَانِ، فَتَمْنَحُ مَعَانِيَ لِلْأَشْيَاءِ، وَتُتِيحُ لِلْإِنْسَانِ التَّوَاصُلَ الْعَمِيقَ مَعَ الْوُجُودِ.
أَمَّا الشِّعْر عِنْدَ هَايْدْغِر فَهُوَ أَعْلَى أَشْكَالِ الِانْكِشَافِ، إِذْ فِيهِ قُوَّةٌ وُجُودِيَّةٌ، فَالشَّاعِرُ يُنْصِتُ وَيُصْغِي لِنِدَاءِ الْوُجُودِ، والشِّعْرُ يَكْشِفُ كَيْنُونَةَ الْعَالَمِ، وَيُضِيءُ الْحَقَائِقَ الْعَمِيقَةَ الْمَخْفِيَّةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْوُجُودِ، وَيُؤَثِّرُ فِي وَعْيِهِ، وَيُعِيدُ تَشْكِيلَ إِدْرَاكِهِ لِلْوَاقِعِ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
أَمَّا الْقَصِيدَةُ الْحَدِيثَةُ فَهِيَ مُمَارَسَةٌ وُجُودِيَّةٌ، لَا تَصِفُ الْوُجُودَ مِنَ الْخَارِجِ فَقَط، بَلْ مِنَ الدَّاخِلِ أَيْضًا، وَلَمْ تَعُدْ أَدَاةَ إِنْصَاتٍ وَكَشْفٍ نَشِطَةٍ لِلْوُجُودِ فَقَط، بَلِ انْتَقَلَتْ مِنْ مَقَامِ الْكَشْفِ إِلَى مَقَامِ الْفِعْلِ، فَالشَّاعِرُ بِوَصْفِهِ ذَاتًا تَعِيشُ التَّمَزُّقَ وَالْقَلَقَ وَالْبَحْثَ، جَعَلَ الشِّعْرَ فِعْلًا وُجُودِيًّا حَيًّا، يَتَكَلَّمُ ويَصْنَعُ مَصِيرَهُ، وَيُسَاهِمُ فِي تَغْيِيرِ وَاقِعِهِ، وَفِي صِنَاعَةِ وُجُودِهِ نَفْسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا وَرُوحِيًّا، وَلَمْ يَعُدِ الشِّعْرُ مُجَرَّدَ مِرْآةٍ سَاكِنَةٍ تَعْكِسُ الْكَيْنُونَةَ الْوُجُودِيَّةَ، بَلْ صَارَ مَجَالًا وَفَضَاءً وَاسِعًا تَظْهَرُ فِيهِ الْكَيْنُونَةُ وَتَتَحَرَّكُ، وَيُعَادُ خَلْقُهَا مِنْ جَدِيدٍ.
الشَّاعِرُ الْحَدِيثُ يَقِفُ فِي الْمَرْكِزِ، وَيَنْطَلِقُ مِنْ صُلْبِ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ الْوِجْدَانيَّةِ وَأَحْلَامِهِ وَصِرَاعَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، فَلَا يَكْتَفِي بِوَصْفِ الْوُجُودِ، بَلْ يَجْعَلُ الشِّعْرَ حَدَثًا حَيًّا، يُشَارِكُ فِي صِيَاغَةِ رُؤْيَتِهِ الْخَاصَّةِ وَوُجُودِهِ وَمَعْنَى حَيَاتِهِ، وَيُسَاهِمُ بِارْتِقَاءِ رُوحِهِ بِبُعْدٍ صُوفِيٍّ، إِذْ يَمْنَحُ اللُّغَةَ قُوَّةً وُجُودِيَّةً وَرُوحِيَّةً.
فِي الْقَصِيدَةِ الْجَدِيدَةِ تَحَوَّلَتِ اللُّغَةُ الشِّعْريَّةُ مِنْ وَسِيطٍ تَأَمُّلِيٍّ إِلَى طَاقَةٍ خَلَّاقَةٍ، إِلَى لُغَةٍ حَيَّةٍ تَتَغَلْغَلُ فِي الرُّوحِ، تَهُزُّ الْوَعْي، وَلَمْ تَعُدِ الْبُنْيَةُ الشِّعْريّةُ مُقَيَّدَةً بِالْمَوْرُوثِ التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ تَمَكَّنَتْ مِنْ كَسْرِ الْأَشْكَالِ وَالْقَوَالِبِ الشِّعْريّةِ الِكْلَاسِيكِيّةِ، لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ الشِّعْريّةَ قَلِقَةٌ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى يَقِينٍ، فَلَجَأَتْ إِلَى الرَّمْزِ، التَّكْثِيفِ، الصُّوَرِ التَّجْرِيدِيَّةِ، التِّكْرَارِ، وَتَعْبِيرَاتِ اللَّاوَعْيِ وَالتَّشَظِّي، بِوَصْفِهَا أَدَوَاتٍ تُعَبِّرُ عَنْ وَعْيٍ وُجُودِيٍّ يَعِيشُ الِانْفِصَالَ وَيَبْحَثُ الْمَعْنَى.
الْقَصِيدَةُ الْحَدِيثَةُ نَصٌّ وُجُودِيٌّ مُتَمَرِّدٌ عَلَى الوَاقِعِ الدَّاخِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، تَمْزِجُ بَيْنَ الْفِكْرِ الْوُجُودِيِّ وَالْبُعْدِ الصُّوفِيِّ الوِجْدَانيِّ، بِلُغَةٍ مُتَأَجِّجَةٍ خَلَّاقَةٍ لَا تَعْكِسُ الْوُجُودَ فَقَط، بَلْ وَتَسُاهِمُ فِي تَشْكِيلِهِ.
س3: مَا مِنْ تَعْبِيرٍ عَنِ الْوِجْدَانِ الْإِنْسَانِيِّ أَقْوَى مِنَ الْشِّعْرِ، فَإِلَى أَيِّ مَدًى يُمْكِنُ لِلشِّعْرِ أَنْ يُفَكِّكَ خِطَابَاتِ الْمَآسِي الْإِنْسَانِيَّةِ؟
الشِّعْرُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُفَكِّكَ خِطَابَاتِ الْمَآسِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَلُغَةَ الْفَوَاجِعِ إِلَى مَدًى بَعِيدٍ جِدًّا، إِذْ إِنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْإِطَارِ الْخِطَابِيِّ، وَعَنِ التَّبْرِيرِ وَلُغَةِ الْإِحْصَاءِ، فَهُوَ صَوْتُ الْوِجْدَانِ الْإِنْسَانِيِّ يُقْرَأُ وَيُسْمَعُ وَيُرَى وَيُحَسُّ.
الشَّاعِرُ يَزْرَعُ أَلْغَامَ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ فِي شِعْرِهِ، فَيُمَزِّقُ الْقِنَاعَ وَيَخْلَعُهُ، لِيَكْشِفَ أَلَمَهُ الْخَفِيَّ وَجُرْحَهُ الدَّاخِلِيَّ، حِينَ يَنْقُلُ جَوْهَرَ مَشَاعِرِهِ الْإِنْسَانِيّةِ، وَيُجَسِّدُهُ فِي نَصٍّ مَفْتُوحٍ مُتَعَدِّدِ الْمَعَانِي، وَيُحَوِّلُهُ إِلَى جَسَدٍ وَوَجْهٍ وَذَاكِرَةٍ، وَحِينَ يَمْنَحُ مِسَاحَةً لِصَوْتِ الضَّحَايَا وَالصَّمْتِ وَالشَّكِّ وَالسُّؤَالِ، ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ عَبْرَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
الشِّعْرُ الْوِجْدَانيُّ هُوَ تَجْرِبَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ فَرْدِيَّةٌ مِنْ (حُبٍّ، خَوْفٍ، شَوْقٍ، دَهْشَةٍ، حَنِينٍ، فَقْدٍ..)، لَا يَقُولُهَا بِلُغَةِ الْعَقْلِ، وَلَا يَسِيرُ فِي خُطُوطِ الْمَنْطِقِ وَلَا يَشْرَحُ الْحَدَثَ، بَلْ يُفَكِّكُهُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَصِيغُهُ بِصُوَرٍ وَنَبْضٍ وَمَشَاهِدَ دَاخِلِيَّةٍ، بِلُغَةٍ مُكَثَّفَةٍ وَعَاطِفَةٍ مُرَكَّزَةٍ، يَجْعَلُكَ تَعِيشُهُ وَتُحِسُّهُ، تَسْكُنُهُ فَيَسْكُنُكَ، حِينَ يُؤَثِّرُ فِي أَعْمَاقِ وَعْيِكَ.
الشِّعْرُ يَحْمِي إِنْسَانِيَّةَ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّآكُلِ وَالتَّلَاشِي وَالذَّوَبَانِ فِي وَحْشِيَّةِ الْمَآسِي، إِذْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْإِحْسَاسِ، فَلَا يُغَيِّرُ الْقَوَانِينَ، إِنَّمَا يُزَعْزِعُ الْأَرْضَ الَّتِي تَقُومُ فَوْقَهَا الْقَوَانِينُ، مِنْ خِلَالِ رَمْزٍ وَصُورَةٍ وَإِيقَاعٍ مُوسِيقَى، فَالْعَقْلُ يُفَكِّكُ الصُّورَةَ، وَالرُّوحُ تَتَلَقَّى الْمُوسِيقَى، وَالْقَلْبُ تَعْتَمِلُ فِيهِ المَشَاعِرُ وَالرُّمُوزُ، فَالشِّعْرُ يَقُولُ مَا لَا يُقَالُ، عَبْرَ الِاسْتِعَارَةِ وَالرَّمْزِ وَالْإِيحَاءِ فَيَبُوحُ وَلَا يَفْضَحُ.
س4: تَكْتُبُ الشَّاعِرَةُ آمَال الْقَصِيدَةَ الْمُكْتَظَّةَ بِالتَّسَاؤُلَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالْأَبْعَادِ الْمَلْحَمِيَّةِ.. فَهَلْ لَنَا بِنَصٍّ قَصِيرٍ يُحَقِّقُ هذَا التَّسَاؤُلَ؟
أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا؟/ آمَال عوّاد رضوان
مَا أُحَيْلَاهُ مُرّكِ.. يَا ابْنَةَ النّسَمَاتِ
كَأَنَّ رَحِيقَكِ.. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا
يَسُوقُ النّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ
لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي
لِتَجْبِلَكِ عُيُونُ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!
أَيَا صَانِعَةَ شِعْرِي
يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ
فَغَدَا مَلَاكًا
وَيَا أَشْهَى.. مِنْ إِطْلَالَةِ صُبْحٍ
تَلْفَحِينَ بِعَبَقِكِ.. مِنْ يَمُرُّ بِوَهْجِكِ!
لِإِشْعَاعِكِ.. سِمَةُ النّفَاذِ مِنْ تَحْتِ الْمِكْيَالِ
كَدَفْقَةِ ضَوْءٍ.. تَسْتَرْسِلِينَ مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِي!
هَـتَـفْـتُـكِ ذَاتَ لَهْفَةٍ.. أَيَا جَنَّةَ فُؤَادِي
اُبْذُرِي حُرُوفَ سَمَائِكِ.. فِي مَسَاكِبِ نُورِي
وَعَلَى ضِفَّتِي الْأُخْرَى
اغْرِسِي سِحْرَكِ.. فِي وَاحَاتِ نَقَائِي!
أَيَا زَهْرَةً عَصِيًّةً عَلَى أَنْفَاسِ الْبَشَرِ إِلَّايَ
وَلَا تَطَالُكِ.. إِلَّا عَيْنُ اللّهِ!
أَنَا مَا اسْتَهْوَانِي.. إِلَّا أَرِيجُكِ
كَمْ مِنَ الْزّنَابِقِ تَتَعَشَّقِينَ.. لِتَخْتَصِرِينِي مَجْنُونُكِ؟
يَا مِنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ
كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ
كَأُسْطُورَةٍ تَتَبَخْتَرُ فِي خَيَالِي
مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ.. فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ
وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!
أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟
أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟
مُطْفَأٌ.. سِرَاجُ قَلْبِي.. فمَنْ يُنْفِقُ وَقْتَهُ
يُوقِدُ فَانُوسًا فَقَدَ فَتِيلَهُ.. أَو أَتَى الْهَجِيرُ عَلَى وُقُودِهِ؟
أَيَا غَابَةَ ضَوْئِي
مَنَافِذُكِ كُلُّهَا مُغْلَقَةٌ.. وَلَنْ يَكُونَ لِي أَوَانٌ آخَرُ
مُعْتِمًا يَصْحُو وَقْتِي.. يَشِيبُ بِعِنَادِكِ
لَيْلِي يَتَقَصَّفُ.. مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!
غَدي دُونَكِ.. بِتُّ أَسْتَقْبِلُهُ بِحُطَامِي
ومَجَّانِيًّا.. غَدَا تَفَاؤُلِي لَا يَنْبِضُ بِأَنْفَاسِ غَدِكِ
وَمُذْ مَضَيْتِ.. فَقَأَتْنِي عُيُونُ أَكْوَانِي
وَفَوَانِيسِي.. الْــ عَهِدْتُها تَلْتَقِطُ مِنْ مَحْجَرَيْكِ.. وَهْجَكِ
تَعَرَّتْ.. مِنْ أَهْدَابِ خُضْرَتِكِ
بَاتَتْ خَرَائِطي فَوْضَوِيَّةً
لَا تَعْرِفُ التّمَرُّدَ إِلَّا.. عَلَى يَبَاسِ خَيْبَاتِي!
بِضِحْكَاتٍ قُرْمُزِيَّةٍ.. أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا
تُحَاكِي أَطْلَالِي.. تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري
فِي هَوَامِشِ خَطْوِي!
ضِحْكَاتُكِ الْـــ.. تُقَدِّسُنِي.. بِعَبَثٍ تئِنُّ!
أَنَامِلُكِ.. تَرْعَى كُؤُوسِيَ الْمَخْمُورَةَ
فَيَغْفُو لُهَاثُ لَيْلِي.. عَلَى أَهْدِابِ غِيَابِكِ!
هَا زِئبَقِي راكِدٌ.. فِي قوارير عُزْلَتِي
يُومِضُكِ حَكَايَا جَامِحَةً.. فِي فَجْوَاتِ زَمَانِي!
وَهَا أَنَا
لَا أَخْنَعُ لتَمَوُّجِ جِرَاحِي.. ولَا أَصْدَأُ بِمُرِّ صَمْتِكِ!
أَمَا مِنْ سُلْطَانٍ لَكِ.. يُفْضِي إِلَى خَرَائِبِ سَقْطَاتِي؟
لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ
تَتَرَجْرَجُ.. تُلَامِسُ أَشِعَّتي.. وَتَتَوَغّلُ فِي فُيُوضِ تَقَرُّبِكِ
لكنَّ تهَرُّبَكِ
يَفْتِكُ بِحَمَائِمِ أَعْشَاشِي.. يَقْضِمُ صَوْتِيَ الْمُتَعَسِّرَ فِي خَرَائِبِهِ
مُذْ فَطَمَتْنِي عَنَاقِيدُ نَارِكِ!
هَا نِصْفِي السّمَاوِيُّ غَطَّ.. فِي تَفَحُّمِ ذَاكِرَتِي النَّيِّئَةِ
يَحْرِقُ هَوَائِيَ الْمُمَغْنَطَ.. بِقَبْضَةِ صَمْتِكِ الصّاهِرِ
قَلْبِي بَاتَ يَرْتَعِشُ.. يَفُكُّ أَزْرَارَ بَحْرِكِ
يُلَوِّحَ لِي بِأَكْمَامِهِ الْمَبْتُورَةِ.. يَهْدُرُ:
أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا.. فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟
س5: أَيْنَ أَنْتِ؛ آمَال عوّاد رضوان مِنْ عَالَمِ الشِّعْرِ؟
أَنَا النَّاسِكَةُ السَّاكِنَةُ مَسْكُونَةِ بِالشِّعْرِ، لَا أَقِفُ خَارِجَهُ، بَلْ أَحْيَا دَاخِلَهُ، فَالشِّعْرُ حَالَةُ وُجُودٍ، وَرُوحٌ مُشْتَعِلَةٌ مُتَأَجِّجَةٌ تُعِيدُ تَشْكِيلَ ذَاتِي، وَصِيَاغَتِي الْمُتَجَدِّدَةَ دَاخِلَ التَّجْرِبَةِ الْحَيَاتِيَّةِ وَالشِّعْريَّةِ بِكُلِّ آلَامِهَا وَآمَالِهَا.
أَقِفَ فِي الشِّعْرِ عِنْدَ تُخُومِ التَّجْرِبَةِ، فَحِينَ أَكُونُ مُثْقَلَةً بِأَحْمَالِي، يُسْقِطُنِي الشِّعْرُ فِي أَتُونِهِ الْمُحْرِقِ، يَكْوِينِي بِنَارِهِ وَيَصْهَرُنِي، لِيُعِيدَ تَكْوِينِي مُجَدَّدًا بَيْنَ مَا يُصَاغُ وَمَا يُعَاشُ، وَيَسْتَمِرُّ فِي تَحْوِيلِي إِلَى لُغَةِ كَشْفٍ وَفِعْلٍ يُنْتِجُ الْمَعْنَى وَالْمَغْنَى.
عَالَمُ الشِّعْرِ فَضَاءُ اخْتِبَارِي الرُّوحِيِّ شَاسِعُ الْمَدَى، لَكَمْ أَخْشَاهُ حِينَ يَضَعُنِي عَلَى مَفَارِقِ طُرُقِهِ دُونَ اخْتِيَارِي، لِأُوَاجِهَ الْهَشَاشَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنْ: فَقْدٍ، زَوَالٍ، خَوْفٍ، تَسَاؤُلٍ عَنِ الْمَعْنَى وَعَنْ عَوَالِمَ الشُّرُورِ.
عَالَمُ الشِّعْرِ لَسْتُنِي فِيهِ إَلَّا جِسْرَ مَخَاطِرَ مَغْمُوسًا بَيْنَ ضِفَّتَيْ مُحِيطٍ لَا قَعْرَ لَهُ؛ ضِفَّةِ الْمَوْتِ وَضِفَّةِ الْحَيَاةِ، وَأَنَا كَبَطَلَةٍ أُسْطُورِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ رَجْفَةٍ وَارْتِعَاشَةٍ، أَقَفُ فِي مَهَبِّ الشِّعْرِ.. أَرْتَجِفُ.. أَرْتَعِدُ و...
تَسْبِقُنِي إِلَيْهِ الْكَلِمَاتُ وَتَخُطُّنِي عَلَى صَفْحَةِ الْغَيْبِ، لِتُفَاجِئَنِي الصُّوَرُ تَتَقَمَّزُ فِي دَاخِلِي شَرَرًا مُقَدَّسًا، تَمُدُّ لِي لِسَانَهَا الدَّالِعَ اسْتِهْزَاءً بِهُدُوئِي، تَسْتَفِزُّ سُكُونِي، تُجَرْجِرُنِي دُونَ إِذْنٍ مِنِّي، تَسْحَبُنِي مِنْ رُوحِي الْتُوجِعُنِي، تَسْتَلُّنِي مِنْ نَفْسِي، تُسَيِّرُنِي، وَتَقُودُنِي وَأنا فِي شِبْهِ غَيْبُوبَةٍ، إِلَى دَهَالِيزَ وَمِسَاحَاتٍ خَطِيرَةٍ عَمِيقَةٍ أَجْهَلُهَا، إِلَى مَكَامِنَ أَخْشَى الْمِضِيَّ إِلَيْهَا.
هُنَاكَ تَقْذِفُنِي، فِي أَرْضٍ مِنْ مَرَايَا لَا تُرِينِي وَجْهِي بَلْ حَقِيقَتِي، حِينَ تَفُضُّ أَخْتَامَ وَجَعِي، تُعَرِّي رُوحِيَ مِنْ أَقْنِعَتِهَا، تَكْشِفُ كَوَامِنَ وِجْدَانِي، تَغْسِلُنِي مِنْ أَعْبَائِي وَأَعْدَائِي، "فَأَبْيَضُّ أَكْثَرَ مِنَ الْثَّلْجِ"، وَأَخْرُجُ مِنِّي أَخَفَّ وَأَنْقَى وَأَصْدَقَ، وَأَعْرِفُ مَا كُنْتُ أَجْهَلُهُ عَنِّي..
عَالَمُ الشِّعْرِ هُوَ مَحَجِّي اللَّا تَنْتَهِي دُرُوبُهُ، فِيهِ خُطَايَ وَخَطَايَايَ وَاحْتِرَاقُ قَلْبٍ يُطَهِّرُنِي وَيُنَقِّينِي، فِيهِ عُبُورُ رُوحِي صَوْبَ صَفَائِهَا وَالتَّجَلِّي، وَحِينَ امْتِلَائِي بِهِ، لَا يَبْقَى مِنِّي إِلَّا صَوْتُهُ الْأَزَلِيِّ.
س6: بِمَاذَا تَرْتَبِطُ الْقَصِيدَة بِالدّهْشَةِ.. أَمْ بِالتَّأَمُّل؟
الْقَصِيدَة هِيَ مُحَاوَلَةُ إِعاَدَةِ خَلْقِ الْكَوْنِ بَعْدَ انْهِيَارِهِ..
وَالْقَصِيدَة مُرْتَبِطَةٌ بِالتَّأَمُّل وَبِالدّهْشَةِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا وَعَمِيقا جِدًّا.
أَمَّا التَّأَمُّل فَيَمْنَحُ الشَّاعِر هُدُوءًا دَاخِلِيًّا، وَمِسَاحَةً لِلصَّمْتِ وَللتَّسَاؤُلَاتِ..
وَيُعْطِي بُعْدًا دَاخِلِيًّا لِلْمَفَاهِيمِ، يَجْعَلُ مَسَافَةً بَيْنَ الذّاتِ وَبَيْنَ الْعَالَم.
التَّأَمُّل يُبْطِئُ الزّمَنَ، وَيَجْعَلُ الشَّاعِر يَعِيشُ تَفَاصِيلَ التّفَاصِيلِ..
لِيَكْشِف جَوْهَرَ الْوُجُود، وَلِيَجْعَلَ اللُّغَة أَدَاة كَشْفٍ رُوحِيٍّ شَفَّافَةٍ.
أَمَّا الدّهْشَةُ فَهِيَ رُؤْيَا وَحَالَةُ وَعْيٍ:
تُزَلْزِلُ الْوَاقِع الْمُسْتَقِرَّ الْوَاضِحَ، بِأَسْئِلَةٍ هَائِمَةٍ مُشَرَّعَةِ الْآفَاقِ.
تُخَلْخِلُ اسْتِمْرَارَ الزّمَنِ.. تُزَعْزِعُ الْعَالَم مِنْ تَعْرِيفَاتِهِ..
وَتُسْقِطُ أَنَا الشَّاعِر وَذَاتَهُ الْمَرْكَزِيَّةَ، فِي انْكِسَارٍ دَاخِلِيٍّ.
الدّهْشَةُ هِيَ شَرَارَةُ الشِّعْر، تَسْكُنُ الشَّاعِر وتُسَاكِنُهُ..
فَتَغْدُو قَلْبَهُ لَا عَيْنَهُ، تُعَمِّدُهُ فِي بَحْرِهَا، تُسْكِرُهُ، تُرْعِدُهُ، تَتَخَطَّفَهُ، وَتَقْطَعُ زَمَنَهُ مِنْ حُدُودِهِ، مِنْ مَاضِيهِ، مِنْ حَاضِرِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ.
بَلْ تَجْعَلُهُ خَارِجَ الزّمَنِ، يُقَاوِمُ الزّوَالَ وَالْفَنَاءَ وَالْمَحْوَ، وَتُنْقِذُهُ مِنَ الْخَوَاءِ..
لِيَعِيشَ انْكِشَافهُ لِكَيْنُونَة الْوُجُود.
الدّهْشَةُ تَعْنِي؛
أَنْ يَكْسِرَ الشَّاعِر الْمَأْلُوفَ، وَيَهْدِمَ الْعَالَم بِرُؤْيَة جَدِيدة نَقِيَّةٍ..
بَعِيدًا عَنِ الرُؤْيَة الْقَدِيمَةِ الْمُشْبَعَةِ بِعَادَاتٍ وَمُسَمَّيَاتٍ وَتَفْسِيرَاتٍ..
فَتُمَزِّقُ غِلَافَ الْمَأْلُوفِ وَقِشْرَتَهُ..
حِينَهَا يَنْهَارُ النّظَامُ، وَيَسْقُطُ الْمَعْنَى بِوَقْفَةٍ مُفَاجِئَةٍ صَادِمَةٍ؛ غَيْرِ عَادِيَّةٍ وَغَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ.
الدّهْشَةُ هِيَ لُبُّ الشِّعْر..
فِيهَا انْكِشَاف هَشَاشَةِ الْوَاقِعِ، وَشَفَافِيَّةِ الْوُجُودِ..
بِلُغَةٍ نَارِيَّةٍ فَائِقَةِ اللّهِيبِ وَالتّطْهِيرِ..
فَأَيَّ لَحْظَة يَتَصَدَّعُ الْوَاقِع، وَتَسْقُطُ الْحُجُبُ وَالسّتَائِرُ، تَعُمُّ الْفَوْضَى، وَيَبْدَأُ الْخَلْقُ..
فَيَصِيرُ الْعَالَم طَازَجًا جَمِيلًا، وَتَذُوبُ الذّاتُ، فَيُولَدُ الشِّعْر بِحُلَّةٍ جَدِيدة..
يُؤَنْسِنُ الْأَشْيَاء، يَجْعَلُهَا كَائِنَاتٍ حَيَّةً، يَجْعَلُ الْمُجَرَّد مَلْمُوسًا..
فَيَكْتَشِفُهَا، وَيُعِيد خَلْقَهَا.
الدّهْشَةُ هِيَ وَمْضَةُ خُلُودِ اللَحْظَة لِلْوُجوُدِ، قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَاضٍ وَذِكْرَى..
حِينَهَا يَغْدُو الشَّاعِر مِرْآةً وَجِسْرًا وَمَعْبَرًا لِلْعَالَمِ، يَرَى الْعَالَم ذَاتَهُ فِي قَصِيدَتِهِ.
الدّهْشَةُ هِيَ مَوْطِنُ وَصَدَى رُوحِي الْمَعْجُونَةِ بِفِتْنَةِ تَأَمُّلٍ ذَاهِلٍ، تَأَمُّلٍ زَاهِدٍ، يُحَوِّلُ الْأَلَمَ غَيْمًا وَغَيْثًا.
وَأَنَا كَشَاعِرَةٍ أَقُولُ..
رُوحِي عَجِينَةٌ طَرِيَّةٌ لِيِّنَةٌ، تَخْتَمِرُ بِهُدُوءٍ وَتَأَنٍّ، ثُمَّ تُخْبَزُ عَلَى نَارٍ هَادِئَةٍ..
فَأَتَراَقَصُ بِرَنِينِ إيقَاعَاتِهَا، بِمَعْزُوفَاتِهَا، بِدَوْزَنَةِ أَوْتَارِهَا، بِهَارْمُونْيَا أَنْغَامِهَا فَائِقَةِ الِانْسِجَامِ.
رُوحِي الْمُتَمَرِّدَةُ؛ لَنْ يَتَسَنَّى لَهَا أَنْ تُبْدِعَ، إِنْ لَمْ تُصْغِ بِشَفَافِيَّةٍ..
إِلَى بَوَاطِنِهَا الْمُهَمَّشَةِ.. مَكَامِنِهَا الْمُكَوَّمَةِ..
إِلَى خَفَايَاهَا وَعَوَالِمِهَا الْمُكَدَّسَةِ، الْمُغَطَّاةِ بِغُبِارِ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَمَآسِيهَا..
رُوحِي الْمُشَاغِبَةُ؛
تَفْتَحُ تِلْكَ الْمَنَافِذَ الرّحْبَةَ الْعَمِيقَة، الْعَابِقَةَ بِبَخُورِ الطُّفُولَةِ الْمَنْهُوبَةِ.. و
الْمَشدُودَةِ الْمَوْتُورَةِ بِالْحَاضِرِ الْمَأْلُومِ الْمَأزُومِ..
وَالتّوَّاقَةِ إِلَى نَوَافِذَ مُسْتَقْبَلٍ عَارِمٍ بِالِانْفِلَاتِ، بِتَجَلِّيَاتِهِ الْحُرَّةِ الْمَاطِرَةِ حُبًّا وَسَلَامًا.
هِيَ رُوحِي الطُّفُولِيَّةُ الْمُشَاكِسَةُ الْغَائِمَةُ؛
تَسُوقُ الرّيحَ إِلَى كلّ اتِّجَاهٍ، بِعَفَوِيَّتِهِ، بِأَلَقِهِ، لِيَتَكَثَّفَ غَيْمِي، وَيُمْطِرَ شِعْرًا سَمَاوِيًّا نَقِيًّا..
تَعَمّدَ فِي يَمٍّ كَلِمَاتٍ وِجْدَانيّةٍ مِخْيَالِيَّةٍ.. تَتَمَاوَجُ.. تَتَلَاطَمُ.. َتُزْبِدُ..
وَتَحْفُرُ فِي الصّخُورِ وَالْقُلُوبِ وَالنّفُوسِ.. سَرَادِيبَ نُورٍ وَأَزِقَّةَ جَمَال..
تَارِكَةً بَصَمَاتِهَا الْأَثِيرَيَّةَ، وَآثَارَهَا الشّهِيَّةَ غَامِضَةَ النّكْهَةِ..
عَالِقَةً.. مُلْتَصِقَةً فِي تَجَاوِيفِ وَتَلَابِيبِ قَارِئِهَا.. تُلِاغِفُهُ.. وَتَتَمَلَّكُهُ!
س7: لِلشِّعْرِ مَعَانٍ يَحْمِلُهَا كُلُّ شَاعِرٍ صَلِيبًا عَلَى كَتِفَيْهِ، بَحْثًا عَنْ ذَاتِهِ، كَوْنَ الذّاتِ جُزْءٌ مِنَ الْذّوَاتِ الْأُخْرَى، فَعَنْ أَيِّ مَعْنًى تَتَحَدَّثُ نُصُوصُكِ؟
نُصُوصِي هِيَ رِحْلَاتُ ذَوَاتِي جَمْعَاءُ، وَالسُّؤَالُ صَاعِقٌ يُوقِظُ ذَوَاتِي..
فَتَنْهَضُ مِنْ غَفْوَتِهَا مَذْعُورَةً، يَتَقَاطَعُ صَدَاهَا الصّاخِبُ..
تَتَرَاقَصُ الصُّلْبَانُ عَلَى كَتِفَيَّ.. تَتَسَابَقُ مُتَهَافِتَةً مُتَأَهِّبَةً تَتَصَايَحُ:
فَأَيُّ ذَاتٍ سَتُصُلَبُ.. لِتَخْتَبِرَ حُدُودَهَا وَهُوِيَّتَهَا؟
وَتُشِيرُ الذّوَاتُ بِسَبَّابَاتِهَا مُتَزَاحِمَةً وَتَتَعَالَى الْأَصْوَاتُ وَتَتَوَالَى:
يَا الشَّاعِرَةُ.. رُحْمَاكِ أَنَا الْأَوْلَى.. عَفْوَكَ أَنَا الْأَهَمُّ وَالْأَجْدَى..
الذَّاتُ الْفَرْدِيَّةُ:
أَنَا ذَاتُكِ الْفَرْدِيَّةُ.. أَسَاسُ نُصُوصِكِ، وَمَصْدَرُ تَجَارِبِكِ الْحَيَاتِيَّةِ، بِكُلِّ مَشَاعِرِكِ الْمُخْتَلَطَةِ مِنْ حُزْنٍ، فَرَحٍ، فَقْدٍ، حَنِينِ شَوْق و...
الذَّاتُ الرُّوحِيَّةُ:
بَلْ أَنَا ذَاتُكِ الرُّوحِيَّةُ، أَحْمِلُ جَوَانِبَكَ الصُّوفِيَّةَ وَالْوِجْدَانِيَّةَ، فِي رِحْلَاتِ بَحْثِكِ عَنِ الصَّفَاءِ، الْقِيَمِ الْعُلْيَا، الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالِارْتِقَاءِ الرُّوحِيِّ و...
فَتَهُبُّ الذَّاتُ الْإِنْسَانِيَّةُ:
بَلْ أَنَا مَنْ أُشْرِكُكِ مَعَ الْآخَرِينَ بِتَجَارِبَ مُشْتَرَكَةٍ، وَأُوَطِّدُ عَلَاقَاتِكِ الْمَتِينَةَ بِالْمُجْتَمَعِ، بِفَرَحِهِ وَأَلَمِهِ و..
الذَّاتُ الْمُمَزَّقَةُ غَاضِبَةً:
وَمَاذَا عَنِّي أَنَا الذَّاتُ الْمُمَزَّقَةُ الْمُتَشِّظَيَةُ الْمُنْقَسِمَةُ مَا بَيْنَ ضَيَاعٍ، وَانْتِمَاءٍ، وَفُقْدَانِ هُوِيَّةٍ وَتَوَاصُلٍ مَعَ الْعَالَمِ الدَّاخِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ؟
الذَّاتُ الْقِنَاعُ الدّْرَامِيَّةُ:
وَمَاذَا عَنِّي أَنَا الذَّاتُ الدّْرَامِيَّةُ؟ أَلَا تَلْبَسِينَنِي وَتَتَخَفِّينَ خَلْفِي؟
الذَّاتُ الطَّبِيعِيَّةُ الْكَوْنِيَّةُ:
وَمَاذَا عَنِّي أَنَا مَنْ أَرْبِطُكِ بِالْكَوْنِ وَبِالطَّبِيعَةِ وَبِالزَّمَنِ، أَيَا عَاشِقَةَ الْكَوْنِ؟
الذَّاتُ الرَّمْزِيَّةُ الْمُتَخَيَّلَةُ:
بَلْ أَنَا الرُّمُوزُ وَالصُّوَرُ الشِّعْرِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ مَعَانِيَ نُصُوصِكِ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابًا وَنَوَافِذَ لِتَفْسِيرَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنَا مَنْ أُسَرْبِلُ نُصُوصَكِ ثِيَابًا جَمَالِيَّةً، وَطَبَقَاتٍ مُلَوَّنَةً مِنَ مَجَازَاتٍ وَاسْتِعَارَاتٍ وَبَلَاغَةٍ تَفُوقُ اللُّغَةَ!
الذَّاتُ الصُّوفِيَّةُ:
بَل أَنَا الْمُتَّحِدَةُ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَالْمُطْلَقِ، أَرْقُصُ رَقْصَتِي الْعُلْيَا وَأَتَلَذَّذُ بِالصَّلْبِ!
الذَّاتُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ:
عِنْدِي أَنَا فَقَط تَجِدِينَ الْإِمْكَانَاتِ وَالذَّوَاتِ الَّتِي لَمْ تُولَدْ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ بَعْدُ!
الذَّاتُ المْاَضِيَةُ السَّابِقَةُ:
وَهَلْ نَسِيتِ الْمَاضِي وَالذَّوَاتِ السَّابِقَةَ وَالذِّكْرَيَاتِ وَتَأْثِيرُهَا عَلَى ذَوَاتِكِ الْحَالِيَّةِ؟
الذَّاتُ الْعَبَثِيَّةُ:
لَنْ أُرِيكِ الْعَالَمَ مُفَكَّكًا عَبَثِيًّا بِلَا مَعْنًى، إِذَا لَمْ تَصْلِبِينِي.
الذَّاتُ الْجَسَدِيَّةُ الْحِسِّيَّةُ:
هُوَ جَسَدِي الْمَيَّاسُ لَكِ، بِدَلَالِهِ، بِغَنَجِهِ، بِأَلَمِهِ، بِلَذَّتِهِ، بِتَجَارِبِهِ، بِلَمَسَاتِهِ، فَلَا تَخْسَرِيهِ!
الذَّاتُ الْبَارِدَةُ:
يَكْفِينِي أَنْ أُرَاقِبَكُنَّ مِنْ بَعِيدٍ، فَلَا أَذُوبُ وِجْدَانِيًّا وَلَا أُغَامِرُ!
الذَّاتُ الظِّلِّيَّةُ:
دَعِينِي مِنَ الْوَعْي وَاتْرُكِينِي فِي انْغِمَاسِي بِالْأَحْلَامِ، بِالْهَوَاجِسِ، وَبِالرُّمُوزِ السِّرْيَالِيَّةِ الْغَامِضَةِ!
إِنَّ تَفَاعُلَ ذَوَاتِي فِي هذَا الِامْتِدَادِ، تَتَكَشَّفُ أَمَامَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَكُلُّ ذَاتٍ مُنْفَصِلَةٌ وَمُتَدَاخِلَةٌ فِي جَمِيعِ ذَوَاتِي الْأُخْرَى، تَتَعَانَقُ، تَتَقَاطَعُ، تَتَشَابَكُ، تَتَزَاحَمُ بِدِينَامِيكِيَّةٍ، وَتَتَدَاخَلُ فِي جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ نُصُوصِيَ مِسَاحَةً لِتَجْرِبَةٍ وُجُودِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ الْفَرْدِيَّةَ، لِتَصِلَ إِلَى الْكَوْنِيَّ الرُّوحِيَّ الْإِنْسَانِيّ.
ذَوَاتِي الشِّعْريّةُ هِيَ شَبَكَةُ صَيْدٍ فِي مُحِيطِي الشِّعْرِيِّ، تَتَرَامَحُ فِيهَا أَسْمَاكُ ذَوَاتِي الْمَرْئِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ: فَرْدِيَّةٌ، رُوحِيَّةٌ، إِنْسَانِيَّةٌ، طَبِيعِيَّةٌ، رَمْزِيَّةٌ، صُوفِيَّةٌ، مَاضِيَةٌ، مُسْتَقْبَلِيَّةٌ، حِسِّيَّةٌ، عَبَثِيَّةٌ، فِكْرِيَّةٌ، فَلْسَفِيَّةٌ، بَارِدَةٌ، مُشْتَعِلَةٌ، ظِلِّيَّةٌ جَمْعِيَّةٌ وَ..
ذَوَاتِي بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِهَا وَتَضَادَّاتِهَا، بِجَمَالِهَا وَقُبْحِهَا، تَأْتَلِفُ وَتَخْتَلِفُ، تَبْحَثُ، تَتَخَفَّى، تَنْكَسِرُ، تَتَّحِدُ، تَشُكُّ، تَتَذَكَّرُ، تَسْتَفْهِمُ، تَحْلُمُ، تَتَقَنَّعُ و..
فَلَيْسَ لِي مِنْ ذَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ أَوْ مُنْعَزِلَةٍ، بَلْ كُلُّهَا تُرَافِقُنِي فِي نُصُوصِي.
فَضَاءُ نُصُوصِي:
- نُصُوصِي هِيَ فَضَاءٌ حَيٌّ تَتَنَفَّسُ فِيهِ ذَوَاتِي فِي حَضْرَةِ الْكَوْنِ، وَفِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ وَالضَّوْءِ.
- نُصُوصِي هِيَ صُلْبَانٌ عَلَى أَكْتَافِ ذَوَاتِي، وَكُلُّ صَلِيبٍ لَا يَحْمِلُ وَزْنًا، بَلْ رَمْزًا لِتَجْرِبَةٍ، وَنَارًا تَنْضُجُ فِي غَفْوَةِ اللَّيْلِ، وَكَالْمَاءِ تَنْسَابُ وَتَغْمُرُ، وَتَتْرُكُ بَصْمَتَهَا وَأَثَرَهَا فِي زَوَايَا وُجُودِي.
وَمَا صُلْبَانِي إِلَّا مَفَاتِيحَ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْوُجُودِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِفَكِّ أَسْرَارِ الْغُمُوضِ وَكَشْفِهَا، وَلِفَهْمِ ذَوَاتِي مَعَ الْآخَرِينَ، وَمَعَ الْحَيَاةِ، وَمَعَ الْكَوْنِ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ.
وَأَظَلُّ أَبْحَثُ عَنِّي وَعَنْ تَجَاوُبِ رُوحِي مَعَ الرُّوحِ، وَعَنِ انْعِكَاسَاتٍ لَا تَنْتَهِي فِي مَرَايَا الْحَيَاةِ.
رِحْلَاتِي الشِّعْرِيَّةُ:
هِيَ رِحْلَاتٌ بَيْنَ الضَّوْءِ وَالظِّلَالِ، بَيْنَ الصَّمْتِ وَالصُّرَاخِ، بَيْنَ الذَّوَبَانِ وَالصَّلْبِ، تَعْكِسُ صِرَاعَاتِي الدَّاخِلِيَّةِ، فَنُصُوصِي هِيَ احْتِفَالِي بِالْوُجُودِ، بِمَشَاعِرِي، بِذَوَاتِي الْمُتَعَالِقَةِ الْمُتَدَاخِلَةِ بِتَجَارِبِي، وَبِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ، وَأَلَمٍ، وَحُبٍّ، وَفَقْدٍ وَ..
نُصُوصِي هِيَ رِحْلَاتِي الشَّاقَّةَ فِي مِشْوَارِي الشِّعْرِيِّ، وَفِي مَتَاهَاتِ نَفْسِي وَمَتَاهَاتِ ذَوَاتِي، بِصَمْتِهَا، بِضَجِيجِهَا، بِنُورِهَا، بِظِلَالِهَا، بِصُلْبَانِهَا الثَّقِيلَةِ وَالْأَخَفِّ مِنْ ظِلِّي.
فِي رِحْلَاتِي تَتَلَاقَى الْأَسْئِلَةُ، وَتَتَقَاطَعُ الْأَرْوَاحُ، وَتَتَشَابَكُ التَّجَارِبُ فِي نَسِيجِ الْوُجُودِ، فِي قِصَصٍ مُتَرَاكِمَةٍ فِي ذَاكِرَةِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فتَعْكِسَ مَعَانِيَ تَحْمِلُ رُوحِيَّتَهَا الشِّعْرِيَّةَ الزَّخْمَةَ وَالتَّأَمُّلِيَّةَ الْعَمِيقَةَ، مِنْ رَغْبَةٍ فِي التَّلَاشِي، الذَّوَبَانِ، الِانْدِمَاجِ، الْبَقَاءِ وَالْمَحْوِ.. لِتَتَجَاوَزَ الْفَرْدِيَّ إِلَى الْكُلِّيَّ الْجَمْعِيَّ، وَأَنَا كَشَاعِرَةٍ أَتَسَلَّلُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا نُورًا صُوفِيًّا بَيْنَ الظِّلَالِ!
أَمَّا عَنْ مَعَانِي نُصُوصِي الشِّعْرِيَّةِ:
لِنُصُوصِي آفَاقٌ مُشَرَّعَةٌ عَلَى كُلِّ احْتِمَالَاتِ الْمَعَانِي، وَلَهَا أَطْيَافٌ مُتَغَيِّرَةٌ مِنَ الرُّؤَى وَالتَّجَارِبِ:
فَأَحْيَانًا تَكُونُ رِحْلَةً فَرْدِيَّةً نَحْوَ النَّفْسِ، وَنَحْوَ مَا هُوَ عَبَثِيٌّ أوْ جَوْهَرِيٌّ!
وَأَحْيَانًا تَكُونُ رُؤْيَةً جَمَاعِيَّةً وَشُعُورًا كَوْنِيًّا، وَصَدًى لِأَصْوَاتِ مَنْ شَارَكُونَا الْوُجُودَ.
مَعَانِي نُصُوصِي لَيْسَتْ عَنَاوِينَ ثَابِتَةً، فَهِيَ فَضَاءَاتٌ فَيَّاضَةٌ مُتَحَوِّلَةٌ فِي النُّفُوسِ، وَهِيَ أَرْوَاحٌ تَتَنَفَّسُ فِي الصُّدُورِ، تَبْحَثُ عَنْ نَقَاءٍ دَاخِلِيٍّ، حَقِيقَةً لَا تَتَجَزَّأُ، وَهِيَ حُضُورٌ صَافٍ فِي مَعْمَعَةِ الضَّجِيجِ..
وَكُلُّ مَنْ يَقْرَأُ نُصُوصِي، يَحْمِلُ أَيْضًا صَلِيبَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، فَيَبْحَثُ عَنْ ذَاتِهِ فِي فَضَاءِ ذَوَاتِي.
س8: لِكُلِّ شَاعِرٍ طَاقِيَّةُ إِخْفَاءٍ يَتَخَفَّى خَلْفَهَا، فَمَا شَكْلُ طَاقِيَّتَكِ الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِرِينَهَا عِنْدَ بِنَاءِ نَصِّكِ وتَشْكِيلِهِ؟
الشَّاعِرُ عَادَةً يَسْتَخْدِمُ قُبَّعَاتِ الْإِخْفَاءِ كَغِطَاءٍ وَسِتَارٍ، لِإِخْفَاءِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِيَّ، بَيْنَمَا يَكْشِفُ الْعُمْقَ الشُّعُورِيَّ، فَيْخْفِي مَشَاعِرَهُ وَمَوَاقِفَهُ الْمُبَاشِرَةِ، لِيَحْمِيَ نَفْسَهُ مِنَ الْنَّقْدِ، وَالْمُلَاحَقَةِ، وَالْعِقَابِ وَالْإِحْرَاجِ وَكَشْفِ أَسْرَارِهِ و...
وَفِي نُصُوصِي الشِّعْرِيَّةِ تَعْتَمِرُنِي عِدَّةُ طَوَاقِي وَقُبَّعَاتِ إِخْفَاءٍ دُونَ اسْتِشَارَتِي، وَهِيَ سَتَائِرُ رَمْزِيَّةٌ أَسْتَخْدِمُهَا كَآلِيَّةٍ، وَلَيْسَ كَلُعْبَةِ خِدَاعٍ، بَلْ كَأُسْلُوبٍ فَنِّيٍّ يَمْنَحُنِي مِسَاحَةً أَكْبَرَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ بِتَعْبِيرٍ أَعْمَقَ، وَذلِكَ لِإضْفَاءِ جَمَالٍ فَنِّيٍّ إِبْدَاعِيٍّ عَلَى النُّصُوصُ، ولِتعَمِيقِ التَّجْرِبَةِ الشُّعُورِيَّةِ، وَكَظِلَالٍ تُخَفِّفُ وَطْأَةَ الضَّوْءِ الْكَاشِفِ، وَتُخْفِي الشَّكْلَ، لِتُبْقِي جَوْهَرَهُ النَّوْرَانِيَّ سَاطِعًا. وَمِنْ قُبَّعَاتِي:
قُبَّعَةُ الرَّمْزِيَّةِ التَّأَمُّلِيَةِ: بِاسْتِخْدَامِ الرُّمُوزِ وَالصُّوَرِ الْمُكَثَّفَةِ وَالْمَجَازَاتِ الْعَالِيَةِ.
قُبَّعَةُ الْأُسْطُورَةِ: بِاسْتِخْدَامِ الْأَسَاطِيرِ وَالْقِصَصِ الْخَيَالِيَّةِ مِنَ الْمَوْرُوثِ التُّرَاثِيِّ.
قُبَّعَةُ اللُّغَةِ: بِاسْتِخْدَامِ الْبَلَاغَةِ والْمَجَازِ وَاللَّعْبِ بِالْأَلْفاظِ وَالتَّحْدِيثِ اللُّغَوِيِّ وَاسْتِعَارَاتٍ وَتَوْرِيَةٍ وَ..
قُبَّعَةُ الرِّقَّةِ الصَّوْتِيَّةِ: بِاسْتِخْدَامِ كَلِمَاتٍ لَيِّنَةٍ مَهْمُوسَةٍ هَادِئَةٍ، لكِن مَشْحُونَةٌ بِعَاطِفَةٍ قَوِيَّةٍ.
قُبَّعَةُ الْعَاطِفَةِ الْمُكَثَّفَةِ؛ بإِخْفَاءِ مَشَاعِرِ الْحُبِّ وَالْحَنِينِ وَ.. وَتَحْوِيلِهَا إِلَى رِيحٍ وَنَارٍ وَظِلَالٍ وَ...
قُبَّعَةُ الْغُمُوضِ: بِاسْتِخدَامِ الضَّبَابِيَّةِ فِي النَّصِّ، دُونَ تَسْلِيمِ مَفَاتِيحِ النَّصِّ، لِيَكُونَ الْقَارِئُ شَرِيكًا فِيهِ.
قُبَّعَةُ الصَّمْتِ: بِاسْتِخْدَامِ الْفَرَاغَاتِ.. النِّقَاطِ.. التَّقْطِيعِ..
قُبَّعَةُ المُوسِيقَى وَاللَّحْنِ الشِّعْرِيِّ: تَتَجَلَّى فِي انْسِيَابِيَّةِ اللُّغَةِ وَالتِّكْرَارِ وَالْأَنْسَنَةِ وَتَحْوِيلِ الْمُجَرَّدِ لِمَحْسُوسٍ..
قُبَّعَةُ التَّضَادِ: يَجْمَعُ بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ (حُبٍّ وَكَرَاهِيَةٍ مَثَلًا)، فَيَقْفِزُ الْمَعْنَى مِنْ وَرَاءِ الْكَلِمَاتِ.
قُبَّعَةُ السُّؤَالِ الْبَلَاغِيِّ؛ تُوحِي بِدِينَامِيكِيَّةِ الْمَشَاعِرِ، فَيَخْلُقُ عُمْقًا دَاخِلِيًّا وَحَيْرَةً، وَأَحْيَانًا بَلْبَلَةً.
قُبَّعَةُ الطَّبِيعَةِ: تُخْفِي الْمَشَاعِرَ دَاخِلَ مَشْهَدٍ كَوْنِيٍّ، عَبْرَ مُفْرَدَاتٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ: هَوَاء مَاء نَسَائِم...
قُبَّعَةُ النَّارِ الصَّامِتَةِ: تُخْفِي الْعَاطِفَةَ الْمُبَاشِرَةَ، وَتُظْهِرُ التَّأْثِيرَ الشَّدِيدَ...
قُبَّعَةُ الْفَلْسَفَةِ: تَأَمُّلُ الْمَشَاعِرِ وَبَلْوَرَتُهَا فِي أَفْكَارٍ كَوْنِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْوُجُودِ، بِالزَّمَنِ وَالْمَصِيرِ و...
قُبَّعَةُ الصَّوْتِ الْآخَرِ: أَخْتَبِئُ خَلْفَ شَخْصٍ آخَرَ، فَأَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ امْرَأَةٍ، طِفْلٍ، رَجُلٍ، مَظْلُومٍ.. وَ..
قُبَّعَةُ الْمِرْآةِ: أَصِفُ الْعَالَمَ مِنْ حَوْلِي بِكُلِّ انْعِكَاسَاتِهِ فِي دَاخِلِي كَالرَّمْلِ وَالصَّحْرَاءِ وَ.. لِيَعْكِسَ وَحْدَةً وَاغْتِرَابًا..
هُنَاكَ قُبَّعَاتٌ كَثِيرَةٌ: قُبَّعَةُ الْأَثَرِ بَدَلَ الْحُضُورِ، قُبَّعَةُ الدَّوَّامَةِ الْوُجُودِيَّةِ، قُبَّعَةُ النِّدَاءِ الرُّوحِيِّ، قُبَّعَةُ الْحَنِينِ بَدَلَ الِاعْتِرَافِ، قُبَّعَةُ الْمُخَاطَبُ الْمَجْهُولُ، قُبَّعَةُ الرُّوحَانِيَّةِ بَدَلَ الْجَسَدِ، قُبَّعَةُ الظِّلَالِ وَالْغِيَابِ، قُبَّعَةُ السُّخْرِيَةِ وَالْإِيرُونْيَا، و..
س9: هَلْ تَرَى آمَال الشَّاعِرَةُ فِي الْحَرَكَةِ الشِّعْرِيَّةِ النِّسَائِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ إِسْهَامًا جَادًّا فِي تَطَوُّرِ الْقَصِيدَةِ؟
نَعَم..
الْحَرَكَةُ الشِّعْرِيَّةُ النِّسَائِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَيَّارٍ مَوْضُوعِيٍّ، بَلْ هِيَ إِسْهَامٌ جَادٌّ وَوَاضِحٌ فِي تَطَوُّرِ الْقَصِيدَةِ، وَأَنْسَنَتِهَا، وَفِي تَقَاطُعِ أَصْوَاتِهَا.
الْحَرَكَةُ الشِّعْرِيَّةُ النِّسَائِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ قَلَبَتِ الْمُعَادَلَةَ التَّقْلِيدِيَّةَ، وَكَسَرَت ِالنَّمَاذِجَ الْجَاهِزَةَ عَنِ القَصِيدَةِ، وَعَنِ صُورَةِ الْمَرْأَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِشْقٍ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَصْبٍ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ فَقْدٍ.
الشَّاعِرةُ الْمُعَاصِرَةُ حَرَّرَتْ ذاتها، وحَرَّرَتْ قصيدتها، من الصّمت الكوني، ومن النّظرة الذّكورية، وحولتها إِلَى نظرة إِنْسَانِيَّةٍ.
الشَّاعِرةُ الْمُعَاصِرَةُ أَعَادَتْ ذَاتَهَا الْمُتَكَلِّمَةَ وَصَوْتَهَا الْجَرِيءَ، فَهِيَ لَا تُرِيدُ سُلْطَةً، بَلْ تُرِيدُ حَقًّا فِي التَّعْبِيرِ.
الشَّاعِرةُ الْمُعَاصِرَةُ أَعَادَتْ لِجَسَدِهَا، بِوَصْفِهِ وِعَاءً لِلْخِبْرَةِ، الْحَقَّ فِي كَشْفِهِ، وَالْحَقَّ فِي الْكِتَابَةِ عَنْهُ، مِنْ أَجْلِ اسْتِعَادَتِهِ وَتَطِهيرِهِ، مِنْ خِلَالِ التَّعْبِيرِ عَنِ احْتِرَاقَاتِهِ وَارْتِعَاشَاتِهِ وَآلَامِهِ و..،
الشَّاعِرةُ الْمُعَاصِرَةُ نَاكَفَتِ السُّلْطَةَ الْمُتَحَكِّمَةَ بِهَا:
- مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ: فَكَّكَتِ اللُّغَةَ الْفَصِيحَةَ، بَسَّطَتْهَا، وَأَدْخَلَتِ الْيَوْمِيَّ الْهَشَّ، وَتَرَكَتْ لِلصَّمْتِ وَالْفَرَاغِ دَوْرَهُمَا فِي الْبِنَاءِ.
- مِنْ حَيْثُ الْفِكْرَةِ: الشَّاعِرَةُ وَسَّعَتْهَا، لِتَغُوصَ فِي أَعْمَاقِ الْجُرْحِ وَالْألَمِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ شِعْرِيًّا دُونَ مُوَارَبَةٍ.
- أَمَّا الشَّكْلُ فَصَارَ أَكْثَرَ تَكْثِيفًا، وَأَشَدَّ وَعْيًا بِالْإِيقَاعِ الدَّاخِلِيّ، فَرَسَّخَتْ قَصِيدَةَ النَّثْرِ فِي قَفْزَةٍ شِعْرِيَّةٍ وَاسِعَةٍ.
- مِنْ حَيْثُ الرُّؤْيَةِ: فَقَدِ اتَّسَعَتْ مَوْضُوعَاتُ الْقَصَائِدِ، دُونَ تَلْطِيفٍ أَوِ اسْتِعَارَةٍ، وَصَارَ لِلْقَصِيدَةِ صَوْتٌ وَاضِحٌ، فِيهِ تَمَرُّدٌ ضِدَّ الْقَمْعِ وَالْمَحْوِ والْإِقْصَاءِ وَ... تَتَحَدَّثُ دُونَ قُيُودٍ عَنِ الْجَسَدِ، عَنِ الْأُمُومَةِ، عَنِ الْخَوْفِ وَعَنِ الذَّاكِرَةِ..
- أَمَّا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنِ: فَلَمْ يَعُدِ الزَّمَنُ عَدُوًّا وَخَصْمًا لَهَا، بَلْ شَرِيكًا فِي خِبْرَتِهَا وَتَجْرِبَتِهَا.
10: أَرَاغُون الشَّاعِرُ الْفَرَنْسِيُّ مُخَاطِبًا حَبِيبَتَهُ إِلْزَا: (الْمَرْأَةُ لَا الْمُلُوكُ مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ)، فَمَاذَا تَقُولُ الشَّاعِرةُ آمَال؟
أَرَاغُون حِينَ خَرَجَ مِنْ حُرُوبِ أوروبا وَمِنَ الْمَوْتِ وَالْخَرَابِ، رُبَّمَا أَرَادَ الْقَوْلَ إِنَّ الْمُلُوكَ وَالتِّيجَانَ وَالسُّيُوفَ لَا تَصْنَعُ مُسْتَقْبِلًا، بَلْ الْمَرْأَةُ هِيَ مَنْ تَصْنَعُ الْحَيَاةَ بِالْإِنْجَابِ وَالرَّحْمَةِ، وَبِهَا لَا يَفْقِدُ الرَّجُلُ بُوصَلَتَهُ الْأَخْلَاقِيَّةَ وَالْإِنْسَانِيَّةَ.
فَهَلْ نَظْرَةُ أَرَاغُون وُجُودِيَّةٌ، وَالرَّجُلُ لَا يَرَى نَفْسَهُ إِلَّا فِي الْمَرْأَةِ؟
وَلكِنْ بِالْمُقَابِلِ، الْمَرْأَةُ آنَذَاكَ، كَانَتْ مُجَرَّدَ وِعَاءٍ لِلْإِنْجَابِ فِي مُجْتَمَعٍ ذُكُورِيٍّ ظَالِمٍ، فَهَلْ أَرَادَ أَرَاغُون أَنْ يُعِيدَ تَرْتِيبَ الْعَالَمَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَنْصُرَ الْمَرْأَةَ؟ وَأَيُّ امْرَأَةٍ؟
وَهَلْ نَنْسَى أَنَّ الْمَرْأَةَ وَمُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ، هِي الْأُخْرَى حِينَ تَسَيَّدَتْ وَحَكَمَتْ، قَادَتْ حُرُوبًا وَوَيْلَاتٍ عَلَى الْعَالَمِ؟
فَمَا مَدَى صِحَّةِ هذَا الْقَوْلِ؟ وَهَلْ يَخْدُمُ كُلَّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؟
وَهَلِ الْمَرْأَةُ حَقًّا، هِيَ الْحَلُّ لِمَنْعِ الْكَوَارِثِ وَالْمَآسِي وَالْحُرُوبِ؟
وَبَعِيدًا عَنِ الْجَنْدَرِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ أَقُولُ:
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ لَا ظِلَّ لَهُ عَلَى جِدَارِ مَلِكٍ وَحَاكِمٍ، وَلَا تَاجَ لَهُ عَلَى هَامَةِ جُنْدِيٍّ، بَلْ نَارُ حُبٍّ فِي قَلْبِ كُلِّ كَائِنٍ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَنْهَضُ فَوْقَ الضَّوْءِ، يَهْمِسُ فِي الرِّيحِ، وَيَنْسُجُ مِنَ الْفَرَاغِ أُغْنِيَةً صَافِيَةً!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَخْلُقُ نَبْضًا فِي كُلِّ قَلْبٍ، لِيَغْدُوَ بَيْتًا لِلضَّوْءِ، وَكُلُّ شَمْعَةٍ تُوَاسِي أَيَّ دَمْعَةٍ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ نَبْضُهُ حَنَانٌ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ خَطِيئَةٍ وَغُفْرَانٍ، وَدَمْعُهُ يَتَرَقْرَقُ سَلَامًا بَيْنَ صَمْتٍ وَصُرَاخٍ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَزْرَعُ الْحُبَّ فِي الْعُيُونِ وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ، يَسْقِي الْأَرْضَ سَكِينَةً، وَيُغَنِّي السَّلَامَ لِلْحَيَاةِ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَتَمَاوَجُ مَعَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَكْتُبُ الضَّوْءَ فَوْقَ الظِّلَالِ وَعَلَى الْأَحْجَارِ، وَيَنْشُرُ النُّورَ فِي الْفَرَاغِ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَخْرُجُ مِنَ الْظِّلِّ شَبَحًا، يُشْرِقُ مَعَ النَّهَارِ إِنْسَانًا، يَلْمَسُ بِيَدَيْهِ الْخَضْرَاوَيْنِ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ، يَحْتَضِنُ الرِّيحَ وَكُلَّ قَلْبٍ حَيٍّ جَرِيحٍ، يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، يُدْرِكُ الْحُبَّ، وَيَرْكَعُ حَنَانًا لِلْأَمَانِ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ، يَهْمِي فِي دَمْعَةِ طِفْلٍ، يَسْرِي فِي خَطْوَةِ غَرِيبٍ فَقِيرٍ، وَيَهْوِي فِي وَرَقَةٍ تَسْقُطُ بِلَا صَوْتٍ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَدْرِي أَنَّى يَرْسُمُ كُلَّ لَحْظَةٍ ضِحْكَةً تَصْنَعُ غَدًا، وَيُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ بَرَاءَةٍ تَصْنَعُ نُورًا سَاطِعًا!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَظَلُّ يَرْقُصُ.. يَخْلُقُ مُوسِيقَى حَيَاةٍ.. وَيُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ كُلَّ لَحْظَةٍ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يُهَامِسُ الْبَحْرَ، يُغَنِّي مَعَ الْمَوْجِ، يَتَهَادَى مَعَ الْغَيْمِ، وَيهْمِسُ حَيَاةً فِي الْمَاءِ وَفِي الظِّلِّ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَلْهَجُ بِالْآمَالِ، يَخْلُقُ غَدًا يَنْبُضُ بِالْحُبِّ، وَيَهْتِفُ: أَنَا أَحْيَا.. أَنَا أَرْقُصُ.. أَنَا أُحِبُّ!
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ؛ يَبْكِي فَيَرْوِي الْأرْضَ سَلَامًا.. وَيَهْتِفُ: أَنَا وَعْدٌ أَنَا عَهْدٌ.. أَنَا إِنْسَانٌ.. وَمُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ!
س11: يَقُولُ كاَسْتُون بَاشْلَان (إِنَّ الْوَعْيَ يُجَدِّدُ كُلَّ شَيْءٍ)، فَكَيْفَ يَتَعَامَلُ وَعْيُ آمَال الشَّاعِرَةِ مَعَ الأَشْيَاءِ شِعْرًا؟
كَلَامٌ سَلِيمٌ جُزْئِيًّا، فَحِينَ يَعِي الشَّاعِرُ وَاقِعَهُ وَخَيَالَهُ وَأَدَوَاتِهِ، وَيُدْرِكُ دَوْرَ كُلٍّ مِنْهَا فِي مُنْتَجِهِ الْأَدَبِيِّ، فَهذَا يُوَسِّعُ مَدَارِكَهُ، وَيُسَاعِدُهُ كَثِيرًا فِي تَرْجَمَةِ دَوَاخِلِهِ خَارِجَهُ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ تَجَدِيدِ أَفْكَارِهِ وَتَطْوِيرِهَا بِاسْتِمْرَارٍ، وَفِي اتِّخَاذِ قَرَارَاتٍ صَائِبَةٍ حَكِيمَةٍ إشلَى حَدٍّ مَا، لِبِنَاءِ حَيَاةٍ أَكْثَرَ اكْتِمَالًا.
لكِنَّ الْوَعْيَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، فَهُنَاكَ عَوَائِقُ عَدِيدَةٌ قَدْ تُوَاجِهُهُ وَتُوقِفُ مَسِيرَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مُؤَقَّتًا أَوْ نِهَائِيًّا مِثْل:
الْخَوْفُ، الشَّكُّ، التَّسْوِيفُ، السَّعْيُ وَرَاءَ كَمَالٍ مُفْرِطٍ، الْمَرَضُ، الْعَجْزُ، الْإِرَادَةُ، التَّنْظِيمُ، الْكَسَلُ، الْقَلَقُ وَالتَّشَتُّتُ، الْجُمُودُ الْفِكْرِيُّ، قِلَّةُ الْقِرَاءَةِ وَالْمُطَالَعَةِ، وَهُنَاكَ عَوَائِقُ بِيئِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ وَاقْتِصَادِيَّةٌ، وَعَدَمُ تَفَرُّغٍ، وَضُغُوطٌ حَيَاتِيَّةٌ وَعَمَلٌ مُرْهِقٌ يَسْتَنْفِذُهُ ، أَو إِحْبَاطٌ ونَقْصُ دَعْمٍ وَتَشْجِيعٍ، أَوْ تَأْثِيرُ الْبِيئَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ وَعَدَمُ التَّقْدِيرِ يُفْقِدُهُ الْحَافِزَ وَالْإِلْهًامً، وَهُنَاكَ عَوَائِقُ أُخْرَى لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى..
س12: لَوْ تَوَفَّرَتْ لَكِ دَقِيقَةٌ، وَطَلَبُوا مِنْكِ جُمْلَةً مِنْ شِعْرِكِ أَوِ الْآخَرَ، فَمَاذَا تَقُولِينَ؟
مُسْتَقْبَلُ الْعَالَمِ إِنْسَانٌ!
شخصيات أدبية
مَعَ الشَّاعِرةِ الْفَلَسْطِينِيَّةِ آمَال عَوَّاد رضْوَان وَحَدِيثُ الدِّفْءِ الشِّعْرِيِّ
عَلْوَان السَّلْمَان

ملخص المقال
ترجمة المقال
اختر لغة أخرى للترجمة
